الشيطان – 3

بقلم الكاتبة ” شيرين العدوي ” 

 

توقفت معك ـ عزيزى القارئ ـ فى مقالى السابق عند نقطة مهمة هى: أن عبدة الشيطان يرونه النور وأن الله ـ والعياذ بالله ـ هو الظلام. فهل عبادة الشيطان قديمة أم حديثة؟! سآخذك عبر التاريخ لنتتبع مسارها ونعرف كيف ضلت وأضلت؟! وقد اطلعت على عدد من البحوث والكتب ومنها بحث مقدم من د. محمود الشوبكى، ود. يحيى الدجنى المنشور فى مجلة الجامعة الإسلامية بفلسطين بعنوان: الجذور التاريخية لعبدة الشيطان مجلد 11 العدد 2، حيث يرى بعض المؤرخين أن أول من عبد الشيطان هم الغنوصيون. وهى نزعة فكرية نشأت فى القرنين الأولين الميلادييْن لدى اليهود.

 

ومعنى غنص فى اللغة العربية: أى ضاق صدره، أما نشأة المصطلح فمأخوذة من الكلمة اليونانية غنوستكوسش التى تعنى ذوى المعرفة. يعتمد مريدوها على المعرفة الحدسية الباطنية للوصول إلى الله، ويجعلون الله مساويا للشيطان فى القوة والعمل، ويرون أن الكون المادى هو خروج للرب الأعلى الذى وضع الشعلة الإلهية فى صلب الجسد البشرى، وعلى الإنسان أَغْنصْتَها: أى معرفتها.

 

وقد انتشرت فى محيط البحر المتوسط متأثرة بنظريات أفلاطون وحركة المسيحية الأولى ومن خلالها ظهرت الباطنية وبرزت واشتهرت فى زمن الإمبراطورية الفارسية حتى ظهرت فى الصين على شكل الديانة المانوية. وتقول بإلهين، أحدهما كبير خيِّرٌ مُفَارقٌ لا يدرك بالعقل ولا يحيط به العلم، تفيض منه الحكمة. والحكمة فاضت بالشوق إلى الله فملئت بالتفكير فيه، وهذا أدى إلى تَجرّؤها وخروجها عن حدود مملكة السماء، وسقوطها من السماء إلى الأرض .

 

ومن خطيئتها بالسقوط فاض إله الشر الملقب بأركون، أى الشيطان، ومنه خرج العاِلم السفلي. وقد استطاع أركون أن يحبس النفوس فى أجسادها لقوته العظيمة. لذا تهفو هذه النفوس إلى الخلاص. فالغنوصية تصعد للسماء. والأرضية والمادية تثبت على الأرض. وتتوسطهما النفس الحيوانية وفيها تتنازع السماء والأرض، وشرط الصعود إلى السماء الانتصار على شهواتها.

 

وعبدة الشيطان يتجهون إلى عبادة أركون بدلا من المجاهدة والانعتاق من الشهوات. وقد خرجت منها عدة مذاهب وديانات مثل: الثنوية وربما يتبادر إلى الذهن مباشرة مثنوى جلال الدين الرومى المسلم (1207م) المتصوف الذى أعد أكبر قصيدة شعرية فارسية يسرد فيها 424 قصة ترصد معاناة الإنسان للوصول إلى حبه الأكمل الله والخروج من المواقف المظلمة إلى الحكمة النورانية. وأعود لمصطلح الثنوية الذى جاء من كلمة أثناء جمع ثِنْي: وهى ظرف زمان بمعنى خلال، يدل على تداخل حدثين أو أكثر.

 

ولذلك هذه الفئة تقول بقوتين متضادتين أزليتين متداخلتين فى النفس البشرية: هما إله النور وإله الظلام، فالنور هو إله الخير الله، والظلام هو إله الشر الشيطان. وهذه الديانة مزيج من المجوسية والنصرانية وخرج منها المذهب الزرادشتى، من هنا جاءت فكرة أن الشيطان إله وليس مخلوقا وتطورت الفكرة وانتقلت عبر عدة ديانات. وسأكمل باقى الأصول التاريخية لهذا الانحراف الفكرى فى المقالات القادمة؛ وأتوقف عند بيت للرومى يقول: لا يكون الملك والذهب رفيقين لروحك، فادفع الذهب وخذ الكحل لجلاء البصر.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: