اللوحة مكاناً

الرؤية المباشرة لأية لوحة تحيلك إلى أن ما تراه ليس إلا مكاناً مشحونا بموقف، سواء أكان المكان معلقا أم منفرشا على الأرض، أو في السماء، إنه المكان وقد شحن بموقف، وحقيقة الأمر أن الأجزاء التي رسم عليها الفنان أفكاره هي أجزاء مكانية تمثل أحياء لفكرة متحيلة:القماشة، الإطار، الألوان، المادة، المسند، والمحيط الذي يغلف اللوحة أثناء العمل، الإضاءة الطبيعية أو صناعية، خلط الألوان، الحركة إضافة إلى وجود الفنان نفسه وهو يعمل، كل شيء واقعي يتم ببرودة تامة من اجل ان تكون اللوحة معبرة عن حياة تتشكل، هذا الجو يصنعه المكان، وكل ما يحدث فيه يحمل خصائص انسانية، حتى تلك الخيالات الشعرية التي يمتزج فيها الفكر 

بالتجربة.

في سياق هذه الرؤية يمكننا أن نتلمس شحنة المكان، وهي الخصوصية الشعرية الغائرة في طبيعة مكونات اللوحة، وسأضرب مثلًا على ذلك، في لوحة الشجرة القتيلة لجواد سليم، نحن نلمح المكان من خلال ثلاثة أبعاد فيها: بعد الشجرة  نفسها وقد انتزعت من ارضها لتقتل في عيد نوروز، تقشر كي تؤكل، ثمة بنية للفداء مزروعة في هذا الكائن الحي، وكأنه خلق ثمنًا لفرح الناس، هنا يتساوى فعل قتل الشجرة وايقاد النار في أعياد نوروز، هذه الثيمة البابلية القديمة نجدها في كل الأديان والمناسبات، وقد شهدنا، وعلى مدى سنوات، كيف تشعل النار في المدينة الأوروبية في أعياد رأس السنة الميلادية.

البعد الثاني  للمكان، هو اللوحة نفسها وقد ظهرت الوانها الحادة تعبيرًا عن هوية موت الحي، وهي عبارة عن ممارسة طقسية، كنا نتسابق في القرى لاقتلاع فسائل النخيل الصغيرة وتقليمها والوصول إلى جمارها، وكأننا نقضم تلك الروح الخفية كنوع من المنح المصحوبة بالدم، القلب المفتت الذي نقضمه هو شكل من اشكال تجزئة اللغة الاحتفالية، حيث الاحتفال قضم جمار النخلة يتم في آخر الاحتفال. 

البعد الثالث للمكان هو التجمع الاحتفالي بالملابس الملونة والجسد المستجيب للموسيقى والأصوات الفرحة والحركات الراقصة، وكأن الاحتفال بموت الشجرة احياء للارض واخصابها، هذه المشاركة الاحتفالية المقرونة  بالأمكنة الخصيبة، ليست إلا ممارسة ذاتية لرؤية أنفسنا وهي تتجدد من خلال احتراق الحطب ورقص الاجساء وارتفاع الصوت وايحاءات بالحب.

في القرية تحيلنا الرؤية الشعبية الى الغاء المعاني المثيولوجية لأي احتفال، ونبدأ بالعيش في اللغة التي خلقناها للتو، نمارس الفعل الاحتفالي في اعيادنا الشعبية باعتبارها طقوسا وعادات موروثة،   وهذا يعني انها تشكل فواصل علينا احتساب اهميتها في تجديد حيواتنا، 

ان قيمة الأعياد والأفراح تقترن بزواجنا الطقسي مع الطبيعة، هذا النوع من التزاوج مثلته في الدراسات الأنثروبولوجية الحياة الجديدة المقترنة بطقوس الخصب، واشكالها 

المتغيرة. 

اما ما يحدث بعد انتهاء الاحتفال فهو تلك الحكايات الصغيرة، التي ولدت اثناء ايقاد النار وكأنها ايقاد للحب، وما تبدل الحركات واتساع الرؤية الا رسموما للوحة  شعبية مادتها تلك الطقوس التي نصنعها من خلال اشتغالات الجسد. 

والكثير منا شهد أيام شبابة، كيف تنشاء اللغة الثانية بين الفتيات والفتيان وكأنها مواعيد سماوية لعقود من الاتفاقات الأولية أن بدء حياة جديدة تصطحبها كلمات جديدة للحب.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: