أربعينية الخلود.. عندما تتجلى العقيدة في مسيرة الوفاء

بقلم رئيس التحرير/ باسم العذاري
تستوقفنا الذكرى هذا اليوم، لا لتكون مجرد محطة في تقويم الأيام، بل لتفتح في وجدان الأمة جرحاً لم ولن يندمل، وتستحضر ملحمةً تتجدد دماؤها كلما مر عليها الزمان. إنها أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته الأطهار؛ الذكرى الأليمة التي تجسد لحظة الانكسار الظاهري للجسد، والانتصار الخالد للروح والعقيدة، حين عادت العقيلة زينب (عليها السلام) إلى أرض كربلاء المقدسة.
تلك العودة لم تكن مجرد رحلة إيادٍ إلى مدافن الأحبّة، بل كانت إعلاناً لانتصار صوت الحق على صهيل السيوف. يقف الفكر ذهولاً أمام المشهد المهيب: جبل الصبر زينب، تجلس أمام تلك القبور الطاهرة، تسترجع بصرها وقلبها بين قبر أخيها وسندها الإمام الحسين، وقبر كافل خدرها الإمام العباس، ومقابر أولادها وأهل بيتها الكرام. أولئك الشرفاء الذين قدموا دماءهم الزكية أرخص ما يكون، لم يكن قربانهم طمعاً في جاه ولا ملك، بل كان تسليماً تاماً لإتمام وإكمال دين محمد وآل محمد. لقد اختصر سيد الشهداء هذه النهضة الخالدة بكلماته المضيئة: “إِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإِصْلاحِ في أُمَّةِ جَدّي”، ليكون مع الموالين والمحبين لرسالة السماء إلى قيام الساعة.
إن قضية كربلاء وأربعينيتها ليست حادثة تاريخية عابرة طوتها صحائف المئات من السنين، بل هي قضية عقائدية إنسانية امتدت لأكثر من 1400 عام، وتزداد مع كل عام نضارةً ووهجاً وحضوراً. وما نشهده اليوم من طوفان بشري زاحف نحو كربلاء المقدسة، بمشاركة وفود زادت على 42 دولة عربية وأجنبية، لهو دليل قاطع على أن الحسين (عليه السلام) أصلح بوصلة للأحرار من كل جنس ولغة ومذهب، وأن نداءه يتجاوز الحدود والجغرافيا ليصنع أكبر تجمع سلمي وإنساني عرفه التاريخ الحديث.
وفي قلب هذه الملحمة العالمية، يتجلى الموقف العراقي المشرف الذي يكتبه أبناء هذا الشعب الأبيّ بمداد الوفاء والسخاء المطلق. ولا يمكن لعين أن تتغافل عن ذلك البذخ والجود العفوي الذي يقدمه المحبون والموالون حباً بسبط الرسول والمتوجهين إلى قبته الشريفة؛ حيث فُتحت البيوتات والأزقة والمضايف، واستُقبل الزوار بالأحضان والدموع، وتدفقت مائدات الطعام والشراب بلا انقطاع على مدار الساعة وطيلة أيام الزيارة، في مسيرة عطاء متصلة تبدأ من إهلال هلال محرم الحرام وتستمر حتى ذروة الأربعين. من المنافذ الحدودية وبوابات المطارات، وصولاً إلى الشوارع والطرقات المؤدية إلى كربلاء المقدسة، تجسدت أروع صور الإيثار والبلاء الحسن لخدمة المشاة والوافدين من كل فج عميق.
إن الأربعينية ليست مجرد مشيٍ بالأقدام، بل هي حركة بالقلوب والأرواح نحو المبدأ والرمز. هي تجديد للعهد مع زينب (عليها السلام) بأن الصوت الذي أطلقته في كوفان والشام ما زال يدوي، وأن دماء الحسين ستظل الوقود الذي ينير طريق الحق ويقض مضاجع الظالمين. السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، والسلام على العراقيين النشامى وهم يجسدون أسمى معاني الإنسانية والجود في أربعينية الخلود.



