خصوصية المفردة القرآنية والتشكيل الإعرابي/9


بقلم:
د.رعدهادي جبارة
الأمين العام
للمجمع القرآني الدولي


ثمة مفردات قرآنية كثيرة في الآيات القرآنية تتشابه حروفها وتختلف معانيها تبعاً لاختلاف التشكيل[الحركات] لكل حرف من الحروف فضلاً عن موقعها الكلي من الإعراب وفي السياق .

وسبق أن عرفنا خلال المقالات الثماني الماضية من هذه السلسلة (خصوصية المفردة القرآنية) على جوانب كثيرة ، ونواحٍ عديدة، ومعانٍ متنوعة، وأنماط مختلفة، وسياقات متنوعة .

وفي هذه المقالة التاسعة (في سلسلة المقالات التي ستصدر كلها في كتاب خاص بإذن الله إن كان في العمر بقية ) نسلط الضوء على أهمية حركات الاعراب أو التشكيل المتعلق بالحروف المكونة للمفردات القرآنية ، وخاصة تلك الكلمات المتشابهة إلى حد كبير في حروفها و المتقاربة في الرسم القرآني.

والحركات هي رموزٌ توضع فوق الحرف او تحته ليتم نطقها بشكل سليم، وبسبب هذاالتشكيل و الحركات يصبح للكلمة الواحدة أكثر من معنى . وأبرز فوائد الحركات : 

■ إنها تساعد في معرفة المعنى الدقيق للكلمة ثم الجملة فلا يمكن فهم معاني الكلمات بدقة دونها
■يساعد ضبط الكلمات على معرفة إعرابها بشكل صحیح.
■تعين على النطق السليم للكلمات فلا يحدث لحن لأن بعض الكلمات متشابهة تماماً في حروفها بل متطابقة ولا يمكننا أبدا التمييز بينها، إلا بوضع الحركات عليها وتحتها .
■ويترتب على النطق الصحيح والتشكيل الدقيق تشخيص موقع الكلمة في الجملة وتحديد معناها في السياق واعطاء القارئ المعلومة والحكم الشرعي من غير التباس في المعنى والمفهوم [محمد ابراهيم محمد مصطفى / القيمة الدلالية لحركات الإعراب بين القدماء والمحدثين – بتصرف ]وكذلك[ المقتطف / ص527 و 528 – بتصرف)

وأحياناً يؤدي الخطأ في كتابة حركة أو أكثر الى الخطأ في التلاوة و الانحراف في المفهوم والتغيُّر في الحكم الشرعي و التبدل في المعنى و التأثير على اللفظ وعلى نمط القراءة ولذلك سنورد مثالاً لإحدى المفردات القرآنية الداخلة تحت هذا العنوان وهي كلمة (سُوء) و (سَوء) .
قال تعالى : *( ويعذب المنافقين والمنافقات و المشركين والمشركات الظانين بالله ظن السَّوء عليهم دائرة السوء و غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ] – الفتح 6- .

ويرى ابن عاشور أن [السَّوء والسُّوء] مترادفان
في أصل اللغة ومعناهما (المكروه) ضد السرور فهما مثل :
الكَره والكُره ، والضُّعف والضَّعف ،
_ والضُّر والضَّر،
_والبأس والبؤس.
هذا عن الكسائي وتبعه الزمخشري و بيّنَهُ الجوهري بالقول : ان [السَّوء] بفتح السين مصدر و[السُّوء] بضم السين اسم مصدر، إلا أن الاستعمال غلب المفتوح في أن يقع وصفاً لمذموم مضاف إليه موصوفه كما وقع في هذه الآية ، وكذلنا في الآية (ويتربصون بكم الدوائر عليهم دائرة السَّوء) [التوبة : 98] و أغلب المضموم في معنى الشيء الذي هو بذاته شرٌّ . فإضافة الظن الى [السَّوء] من إضافة الموصوف الى الصفة ، فهذا (ظنُّ سَوء) بالرسول (ص) ولذلك فالمناسب هنا لقراءته بفتح السين (السَّوء) و هذا ما قال به ابن عاشور.

والخلاصة في القواميس اللغوية : ان (السَّوء) بفتح السين مصدر (ساءه ، يسوءه، سوءاً )أي :فعل به ما يكره . وهو نقيض سَرّه ، وغلب عليه أن يضاف إليه، نحو قولك : هذا “رجل سَوء”
وهذه “امرأة سَوء”

اما (السُوء) بضم السين فهو الاسم من السوء ، جرى مجرى الشر، و كلاهما في الاصل مصدرو هذه المفردة[ “السُّوء” بضم السين] وردت في القرآن الكريم بمعانٍ مختلفة حسب السياق، نورد بعضها لا كلها لئلا يطول بنا المقام:

(السُّوء) : بمعنى الشدة {يسومونكم سوء العذاب} (البقرة:49).

و(السُّوء): بمعنى العقر – وهو الجرح للبعير – ومنه قوله تعالى في قصة ناقة صالح ع: {ولا تمسّوها بسوء} (هود:64).

و(السُّوء) : يطلق على البرص {تخرج بيضاء من غير سوء} (طه:22).

و(السُّوء): الشر {ما كنا نعمل من سوء}(النحل: 28).

و(السُّوء): الشتم والكلام القبيح {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول}(النساء: 148).

و(السُّوء): الذنب{إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب}(النساء: 17).

و(السُّوء): الضر {أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء} (النمل:62).

و(السُّوء): القتل والهزيمة، وبه فُسّر قوله تعالى{لم يمسسهم سوء}(آل عمران:174).

و(السُّوء): بمعنى بئس، قال تعالى عمن ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، و يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، و يفسدون في الأرض:{ولهم سوء الدار}(الرعد:25).

■□أما(السَّوء) بالفتح فيرد بمعنى الزنا{ما كان أبوك امرأ سَوء}(مريم:28)، ولا يصح ضم السين في الآية، ولا كذلك في: {وظننتم ظن السَّوء} (الفتح:12)لأن (السُّوء) لا يضاف إلى الرجل، ولا إلى الظن، وإنما يضاف إلى الأفعال، فتقول: عمِل عَمَل سُوء.

وقال الفراء في سورة براءة عند قوله تعالى: {عليهم دائرة السَّوء} (التوبة: 98) قال: قرأ القراء بفتح السين {السَّوء} والمراد بالسَّوء المصدر، من سؤته سوءا، ومساءة؛ فهذه مصادر، 

ثم قال: ومن قرأ بضم السين {السُّوء} جعله اسما، كقولك: عليهم دائرة البلاء والعذاب، والمعنى هنا: عليهم الهزيمة والشر.

وكما لاحظنا فإن المعاني المتعددة و المتنوعة للفظ (السوء) تفيد معنى الشر والأذى، و السياق هو الذي يحدد نوعاً خاصاً ومعيناً من أنواع الأذى والشر. وفي ذلك عونٌ لنا على فهم كتاب الله، وبه نتعرف على وجه من وجوه اختلاف القراءات القرآنية(اسلام ويب- بتصرف).
وهناك مفردات أخرى تدخل تحت عنوان اختلاف التشكيل و الحركات في حروفها نمرّ عليها مرور الكرام:

“النِّعمة” و “النَّعمة”

“يهِدِّي” و”يهدي” ويهدى'

“السُّوأى” و”السَّوأى”

“السِّلم” و “السَّلم”

“نَحلة” و”نِحلة”

“مَيت” و”ميّت”

“قَسَم” و”قِسم”

“إِمراً” و”أَمراً”

“السِّلم”و”السَّلْم”و”السَّلَم”

“مَقاما”و “مُقاما”

“كُرْه”و”كَرْه”و”كَرِهَ”

“جَنة”و”جِنّة”و”جُنّة”

ولكل منها معنى ومفهوم يختلف عن الآخر،باختلاف التشكيل.
&يتبع لاحقاً&
✏️✏️✏️✏️✏️