بين عقارب الساعة وعقارب العمر… لحظات لا تُسترد

كتبت د/زينب طلعت حسن
في ليلةٍ تتراجع فيها عقارب الساعة ستين دقيقة، إيذانًا ببدء التوقيت الشتوي، أتوقف طويلًا أمام هذا التغيير البسيط في حساب الزمن، وأتأمل ذلك المعنى العميق الذي يغيب عن كثيرين؛ فليست المشكلة في تقديم الساعة أو تأخيرها، وإنما في أعمارنا التي تمضي، وفي لحظاتٍ لن تعود، وأشخاصٍ نود لو أن الزمن توقف عند وجودهم بيننا.
أحترم الوقت احترامًا شديدًا، وأخشى مروره خوفًا لا يشبه أي خوف؛ لأنني أدرك أن كل دقيقة تنقضي هي جزء من أعمارنا يُطوى، وصفحة من كتاب حياتنا لا يمكن إعادة كتابتها. فالوقت لا يأخذ منا سنوات العمر فحسب، بل يأخذ معه وجوهًا ألفناها، وأصواتًا أحببناها، وضحكاتٍ كانت تملأ أيامنا، وأماكن ارتبطت في وجداننا بأجمل الذكريات.
ما أقسى أن نكتشف أن بعض اللحظات التي عشناها بكل عفوية أصبحت ذكريات نتمنى لو عادت، وأن بعض الأشخاص الذين كانوا جزءًا أصيلًا من تفاصيل يومنا أصبحوا في عالم الغياب، وأن أغلى ما نملك قد يصبح يومًا من الماضي الذي لا نملك إليه سبيلًا!
إنني لا أخشى مرور الوقت لمجرد أنه يُنقص من سنوات أعمارنا، بل أخشاه لأنني أعلم أن كل يوم يمضي يقربنا من لقاء الله، ومن ذلك اليوم العظيم الذي نقف فيه بين يديه، ونُسأل عن أعمارنا فيما أفنيناها، وعن أوقاتنا كيف استثمرناها، وعن أيامنا ماذا قدمنا فيها لأنفسنا وللناس.
ولعل تغيير الساعة اليوم يذكرنا بأن الزمن لا يتوقف لأحد، وأن عقارب الساعة مهما تراجعت، فإن عقارب العمر لا تعود إلى الوراء، وأن ما مضى من أعمارنا لن نسترده، وما بقي منها لا نعلم مقداره.
فيا ليتنا نتعلم أن نمنح كل شيء قدره؛ فلا نهدر أعمارنا في خصوماتٍ لا تستحق، ولا نستنزف أيامنا في أحزانٍ تطول، ولا نؤجل كلمة طيبة، ولا نبخل بمودة، ولا نؤخر عملًا صالحًا، ولا ننسى أن أجمل استثمار للوقت هو أن نترك في حياة الآخرين أثرًا طيبًا، وفي صحائف أعمالنا ما يسعدنا يوم نلقى الله.
اللهم إنّا نسألك بركةً في الوقت، ونورًا في العمر، وتوفيقًا في العمل، وحُسنًا في استثمار أيامنا وساعاتنا. اللهم لا تجعل أعمارنا تمضي سدى، ولا تجعل أوقاتنا شاهدةً علينا، وارزقنا اغتنام لحظات الحياة فيما يرضيك، والعمل الصالح الذي يبقى أثره بعد رحيلنا. اللهم بارك لنا فيما بقي من أعمارنا، واغفر لنا ما مضى منها، وأحسن خاتمتنا، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك.
فالساعة قد تتغير… أما العمر فيمضي، والسعيد من أدرك قيمة ما تبقى منه قبل أن يصبح كل ما يملكه مجرد ذكرى.



