مقالات

هندسة الحوار الوطنى المعاصر

بقلم د. شيرين العدوى

تقاس مناعة الدول الحديثة بمرونة مؤسساتها فى تحويل التنوع الفكرى والسياسى، من نذير تنازع إلى رافعة للتجديد وبناء الاستقرار. فالتماسك المفروض من أعلى باحتكار صياغة الصالح العام على الأفراد يظل هشا أمام الأزمات. بينما ينبع الاستقرار الحق فى بيئة تعترف بتعدد الآراء وتنظيمها ضمن عقد سياسى جامع.

ولأول مرة فى تاريخ مصر الحديث يفتح باب الحوار المجتمعى بكل فئاته، بدعوة كريمة من رئيس الجمهورية متقبلا كل الآراء من كل فئات الشعب وأطيافه، ونحن نتأمل هذه الدعوة نفتح بابا من أبواب التاريخ الإسلامى كشواهد أصيلة على هذا المسار، ونحن إذ نرجع للتاريخ فإننا لا نتعسف فى الإسقاطات المنهجية وإنما نسلط الضوء على منهاج أصيل فى طريق طويل خاضته أمتنا. فصحيفة المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرست نظاما وثائقيا متقدما يراعى الهويات، والخصوصيات، ونصت على أن يهود بنى عوف «أمة من المؤمنين لهم دينهم، وللمسلمين دينهم» فقررت مد العيش المشترك القائم على حفظ التمايز الثقافى والالتزام التضامنى لحماية أمن الكيان الجامع.

وتجلى هذا أيضا فى تجربة الخلفاء الراشدين كأداة لإدارة الخلاف بشأن إدارة غنائم أراضى السواد فى العراق ومصر والشام؛ فبدلا من الاستئثار بالسلطة أو حسم الأمر بقرار إدارى، أدار عمر ابن الخطاب تداولا موسعا استمر أياما مع أعيان المجتمع وثقه كتاب الخراج لأبى يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي؛ حيث تجاوز الخليفة المطالب الظاهرية بتوزيع الأرض كغنائم، واستدعى فقه المصلحة لحفظ حقوق الأجيال القادمة وديمومة الموارد، وقرن موقفه بالحوكمة الميدانية عبر تكليف عثمان ابن حنيف بالمسح العقارى وتقدير الخراج وفق الطاقة الإنتاجية.

إن هذه الأمة الوليدة أقدمت على الاجتهاد وأنصتت للبدائل المطروحة للعدالة الاجتماعية. إن هذا التراث العلمى فى إدارة الشأن العام يمثل جسرا ممتدًا نحو تطلعات المواطن المصرى المعاصر وآماله التى تتلخص فى تجاوز الاستماع السلبى من جانب الحكومة إلى دراسة المتطلبات الشعبية بعمق مقارنة بالتقارير الحكومية التى يرغب المواطن أن يشعر بها على أرض الواقع.

إن استيعاب التباينات، وتكييف التشريعات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية بما يتوافق مع تطلعات الفرد وآماله، لهو جوهر الحوار الوطنى والأداة السيادية لضبط التوازن بين تطلعات المجتمع، وخيارات الدولة التنفيذية. إنه بيئة سياسية تضمن حرية التعبير، وتتيح للخبراء والمواطنين على حد سواء طرح البدائل، والشجاعة لتعديل السياسات والممارسة الميدانية لملاءمة حياة المواطنين وأولوياتهم المعيشية. فالتحليل المقارن بين التجربة التأسيسية للفكر السياسى الإسلامى، والواقع السياسى المعاصر. يكشف أننا أمام رئيس قوى لا يهاب أن يستمع لخلجات أبناء الشعب وأن يعدل المسار بما يتوافق مع المصلحة العليا. وأن هذا الحوار الوطنى ليس منحة ظرفية، ولا أداة مظهرية لتجميل المشهد. بل ضرورة حتمية لحماية الأمن القومى، وتدعيم البناء المؤسسى للدولة. والاعتراف بالاختلاف وتوسيع قاعدة التشاور، وتغليب المصلحة العامة، والاعتماد على البيانات المحلية. وكل هذا يعد الركائز الثابتة لبناء أى مجتمع سياسى قادر على البقاء والتطور. إن استشراف مستقبل الحوار الوطنى فى مصر يتوقف على مدى الرغبة فى تحويله إلى نهج دائم للحكم والإرادة. فيتكامل وعى المجتمع ويتوازن المشهد بين مقتضيات التنمية والعدالة الاجتماعية.

المصدر : مؤسسة الأهرام المصرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى