مقالات

الترسيم البحري وخور عبد الله .. معركة السيادة ومستقبل العراق البحري !!

د. احمد الاعرجي

يُعد ملف ترسيم الحدود البحرية بين العراق والكويت من أكثر القضايا حساسية في السياسة العراقية المعاصرة ، لأنه لا يرتبط فقط بالجغرافيا ، بل يمتد إلى السيادة والاقتصاد والأمن القومي .

وعندما تُقدَّم وثائق الترسيم إلى الأمم المتحدة ويتم تثبيتها قانونياً، فإن ذلك يعني انتقال الملف من مستوى الخلافات السياسية إلى إطار الشرعية الدولية الملزمة ، وهو تحول استراتيجي له تبعات طويلة المدى .

الترسيم البحري بحد ذاته يهدف إلى تحديد الحقوق السيادية في المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية ، بما يشمل الملاحة ، الصيد ، واستثمار الموارد الطبيعية .

بالنسبة للعراق ، فإن أهمية الترسيم تكمن في حماية منفذه البحري القصير أصلاً ، ومنع أي نزاعات مستقبلية قد تعيق التجارة أو الاستثمار ، خصوصاً مع مشاريع استراتيجية مثل ميناء الفاو الكبير الذي يُعوَّل عليه ليكون بوابة اقتصادية إقليمية .

لكن السؤال الجوهري: هل الترسيم أهم من خور عبد الله ؟
لفهم الإجابة ايها القارئ ، يجب توضيح الفرق .

خور عبد الله هو ممر مائي محدد جغرافياً يقع بين البلدين ، وهو موضوع اتفاقيات ثنائية وتنظيمات دولية سابقة ، أبرزها قرارات مجلس الأمن الدولي بعد عام 1991 بينما الترسيم البحري أشمل بكثير ، لأنه يحدد الحدود الكاملة في البحر وليس فقط ممراً ملاحيّاً واحداً مثل خور عبد الله .

من منظور الأمن القومي العراقي ، يمكن القول إن الملفين مترابطان لا متنافسان .

خور عبد الله يمثل الشريان الملاحي الفعلي للسفن العراقية ، أي أنه مسألة تشغيلية يومية تتعلق بحرية الوصول إلى الموانئ . أما الترسيم البحري فهو الإطار القانوني الاستراتيجي الذي يضمن استمرار هذه الحرية مستقبلاً ويمنع النزاعات .

بمعنى آخر: خور عبد الله هو “الواقع الميداني” بينما الترسيم هو “الضمان القانوني” .

مع ذلك يرى كثير من الخبراء أن الترسيم قد يكون أخطر وأهم على المدى الطويل ، لأن تثبيته دولياً يجعل أي تعديل لاحق شبه مستحيل دون موافقة الطرفين ، وهو ما يرفع مستوى المسؤولية السياسية عند اتخاذ القرار .

في المقابل تبقى إدارة الممرات الملاحية قابلة للتفاوض الفني والتشغيلي بمرور الوقت .

الخلاصة أن أهمية الترسيم لا تلغي مركزية خور عبد الله للعراق ، لأن المنفذ البحري المحدود للبلاد يجعله قضية سيادية بامتياز .

لكن الترسيم يمثل السقف القانوني الذي يحمي هذا المنفذ .

لذلك يمكن اعتبار الاثنين معاً جزءاً من منظومة الأمن القومي البحري: الأول يحمي الحقوق على الورق ، والثاني يحمي الوصول على الماء .

والنجاح الحقيقي للعراق يكمن في تحقيق توازن يحفظ السيادة ويؤمن المستقبل الاقتصادي دون خسارة أي من عناصر القوة البحرية المتاحة .

ولتحقيق هذا التوازن، يحتاج العراق إلى إدارة الملف بعقلية استراتيجية هادئة بعيدة عن الانفعال السياسي ، مع الاعتماد على الخبراء القانونيين والبحريين لضمان عدم التفريط بأي حق سيادي .

فالقضية ليست صراعاً آنياً بقدر ما هي رسم لمستقبل أجيال قادمة ، خاصة أن الموقع البحري للعراق محدود مقارنة بدول الجوار .

إن تعزيز القدرات المينائية ، وتطوير الأسطول البحري ، والاستثمار في البنية التحتية الساحلية ، كلها عناصر تكمل الترسيم القانوني وتحوله من نصوص على الورق إلى قوة فعلية على الأرض والماء .

عندها فقط يمكن القول إن السيادة محفوظة ، والقرار الوطني متوازن ، والمصلحة العراقية مؤمنة دون خسائر استراتيجية .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى