مقالات

الطريق الى كربلاء: من صلح الحسن الى ثورة الحسين (1) الأمة بعد علي بن أبي طالب

بقلم المهندس رسول العذاري

يصعب فهم الطريق الذي قاد إلى كربلاء من دون العودة إلى السنوات التي سبقتها، بل إلى المرحلة التي بدأت تتشكل فيها الانقسامات الكبرى داخل الدولة الإسلامية. فالأحداث التاريخية العظيمة لا تولد في يوم واحد، وإنما تنشأ من تراكمات طويلة تتداخل فيها السياسة والمجتمع والأفكار والمصالح حتى تبلغ لحظة الانفجار.ومن اللافت أن كثيراً من المسلمين كانوا ينظرون إلى ما جرى في عهد علي بن أبي طالب من خلال حديث يُنسب إلى النبي محمد، ورد بألفاظ متقاربة في المصادر الشيعية وعدد من المصادر السنية، جاء فيه مخاطباً علياً: «إنك ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين».وقد رأى عدد كبير من العلماء والمؤرخين أن هذا الحديث ينطبق على أبرز الصراعات التي وقعت خلال خلافة علي؛ فالناكثون هم أصحاب الجمل الذين خرجوا عليه بعد البيعة، والقاسطون هم أهل الشام بقيادة معاوية في صفين، والمارقون هم الخوارج الذين خرجوا بعد التحكيم وقاتلهم علي في النهروان.وبغض النظر عن الاختلافات المذهبية في تفسير الحديث ودلالاته، فإن أهميته التاريخية تكمن في أنه يلخص طبيعة المرحلة التي عاشتها الأمة آنذاك؛ مرحلة اتسمت بالصراع والانقسام وتعدد الرؤى حول السلطة والشرعية ومستقبل الدولة الإسلامية.عندما تولى علي بن أبي طالب الخلافة سنة 35 للهجرة، كانت الدولة الإسلامية قد دخلت مرحلة من الاضطراب السياسي لم تعرفها من قبل. فقد جاء إلى الحكم بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان في ظروف استثنائية، وسط حالة من التوتر والانقسام امتدت آثارها إلى معظم أقاليم الدولة.ولم تمض فترة طويلة حتى واجه علي أول تحدٍ كبير تمثل في معركة الجمل، ثم أعقبها الصراع مع معاوية بن أبي سفيان في صفين، وبعدها مواجهة الخوارج في النهروان. وقد استنزفت هذه الحروب موارد الدولة وأضعفت سلطتها المركزية وأدخلت المجتمع الإسلامي في حالة من الاستقطاب السياسي والعسكري المستمر.وكانت الشام تمثل التحدي الأكبر أمام سلطة الخليفة. فمنذ سنوات كان معاوية يحكمها والياً يتمتع بنفوذ واسع وقاعدة سياسية وعسكرية قوية. وبعد مقتل عثمان رفض الاعتراف بخلافة علي قبل الاقتصاص من قتلة عثمان، ليتحول الخلاف السياسي تدريجياً إلى صراع مفتوح انتهى بمعركة صفين سنة 37 للهجرة.ورغم أن المعركة انتهت دون حسم عسكري نهائي، فإن نتائجها السياسية كانت عميقة. فقد خرجت الشام عملياً من دائرة سيطرة الكوفة، وأصبحت تحت إدارة معاوية الكاملة، مع جيش منظم وولاء قبلي متماسك واستقرار سياسي نسبي لم يكن متوافراً في العراق.أما مصر، التي كانت تمثل أحد أهم أقاليم الدولة الإسلامية، فقد خرجت هي الأخرى من نفوذ علي بعد أن تمكنت قوات معاوية بقيادة عمرو بن العاص من السيطرة عليها سنة 38 للهجرة.وهكذا أصبحت الدولة الإسلامية منقسمة فعلياً بين مركزين كبيرين للقوة؛ العراق وما يتبعه من أقاليم تدين بالولاء لعلي، والشام ومصر اللتان أصبحتا تحت نفوذ معاوية.ومن هنا يبدأ منطق التاريخ في الظهور بوضوح.فما جرى لم يكن مجرد سلسلة من المعارك المنفصلة، بل كان تحولاً تدريجياً في موازين القوى داخل الدولة الإسلامية. فبينما كان علي يواجه انقسامات داخلية وصراعات متلاحقة، كان معاوية يعمل على ترسيخ سلطته في إقليم أكثر استقراراً وتماسكاً. وبمرور الوقت بدأت نتائج هذا التفاوت تظهر في القدرة على إدارة الدولة وحشد الجيوش والحفاظ على الولاءات.لقد كانت حروب الجمل وصفين والنهروان أكثر من مجرد مواجهات عسكرية؛ فقد أعادت تشكيل الخريطة السياسية للعالم الإسلامي، وأوجدت واقعاً جديداً لم يعد يشبه الواقع الذي عرفته الدولة في عهد أبي بكر وعمر وعثمان.وفي التاسع عشر من رمضان سنة 40 للهجرة تعرض علي بن أبي طالب للاغتيال في مسجد الكوفة على يد عبد الرحمن بن ملجم، أحد الخوارج الذين حملوا علياً مسؤولية ما انتهت إليه أحداث التحكيم. وبعد يومين فارق الحياة، لتنتهي واحدة من أكثر مراحل التاريخ الإسلامي اضطراباً وتعقيداً.لكن من منظور فلسفة التاريخ، لم تكن وفاة علي نهاية الأزمة، بل كانت بداية مرحلة جديدة منها.فالأزمات الكبرى لا ترتبط بالأشخاص وحدهم، بل بالبنى السياسية والاجتماعية التي تنتجها. وبرحيل علي لم تختفِ الأسئلة التي مزقت الأمة خلال سنوات حكمه: من يملك الشرعية؟ وكيف تُدار الدولة؟ وما حدود القوة في مواجهة الحق أو الحق في مواجهة القوة؟لقد رحل علي، لكن الانقسامات التي ظهرت في عهده بقيت حية. بل إن كثيراً من آثارها انتقل إلى الجيل التالي، لتواجه ابنه الحسن أولاً، ثم أخاه الحسين لاحقاً.ولهذا فإن الطريق إلى كربلاء لم يبدأ بخروج الحسين من المدينة سنة 60 للهجرة، بل بدأ فعلياً في تلك السنوات المضطربة التي أعقبت مقتل عثمان، وبلغ إحدى محطاته الكبرى بوفاة علي بن أبي طالب. أما ما سيأتي بعد ذلك، فسيكشف كيف تحولت تلك الانقسامات والتراكمات السياسية إلى واقع جديد انتهى بعد أقل من عشرين عاماً عند أرض الطف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى