بين الوساطة والتوظيف السياسي: هل تُستخدم المبادرات الدبلوماسية كأدوات لإعادة تشكيل الرواية في أزمة واشنطن–طهران؟

د . عمار رياض لفته
في لحظات التوتر الحاد بين الدول، لا تكون المبادرات الدبلوماسية مجرد محاولات بريئة لإطفاء الحرائق، بل كثيرًا ما تتحول إلى أدوات دقيقة لإعادة صياغة الرواية السياسية. هذا ما يبدو حاضرًا اليوم في المشهد المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران، حيث برزت مبادرة باكستانية تحمل في ظاهرها دعوة لاحتواء التصعيد، وفي باطنها احتمالات متعددة للتأويل.
من منظور أول، يمكن قراءة تحرّك إسلام آباد باعتباره امتدادًا لدورها التقليدي كوسيط إقليمي يسعى إلى موازنة علاقاته بين واشنطن وطهران، وتجنّب انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة. فباكستان، بحكم موقعها الجيوسياسي وتشابك مصالحها، لا تملك رفاهية الانحياز الحاد، وهي تدرك أن أي تصعيد واسع ستكون له تداعيات مباشرة على أمنها واقتصادها.
لكن القراءة الأخرى، الأكثر تداولًا في بعض الأوساط التحليلية، ترى أن مثل هذه المبادرات لا تُطرح في فراغ، بل تُستخدم أحيانًا كوسيلة سياسية. إذ إن تقديم (مخرج دبلوماسي )يضع الطرف المقابل أمام خيارين: القبول بما يُعرض، أو تحمّل كلفة الرفض. وفي هذه الحالة، قد يتحول الرفض إن حدث إلى مادة تُستثمر إعلاميًا لتثبيت صورة الطرف المتعنّت، بما يسهّل لاحقًا تبرير خطوات تصعيدية.
هذا النمط ليس جديدًا في السياسة الدولية. فالولايات المتحدة كثيرًا ما تسعى إلى بناء رواية مفادها أنها “استنفدت كل الخيارات الدبلوماسية” قبل الانتقال إلى أدوات الضغط أو القوة. ومن هنا، فإن أي مبادرة حتى لو لم تكن صادرة مباشرة عنها قد تُدرج ضمن هذا الإطار الأوسع لإدارة الأزمة.
مع ذلك، فإن افتراض أن المبادرة الباكستانية صُممت أساسًا لإنقاذ طرف معيّن أو لخدمة أجندة محددة يبقى استنتاجًا يحتاج إلى قدر من الحذر. فالدبلوماسية الإقليمية غالبًا ما تتحرك بدوافع مركّبة، تشمل القلق الأمني، والحسابات الاقتصادية، والرغبة في الحفاظ على قنوات التواصل مع جميع الأطراف.
في المقابل، ترى طهران أن جذور التصعيد تعود إلى سياسات الضغط والعقوبات، وأن أي حديث عن حلول يجب أن يبدأ بمعالجة هذه الأسس، لا الاكتفاء بإدارة النتائج. هذا التباين في تعريف المشكلة نفسها هو ما يجعل أي مبادرة، مهما بدت متوازنة، عرضة لتفسيرات متناقضة.
ما تكشفه تطورات الساعات الأخيرة ليس فقط عن تصاعد في حدة التوتر، بل عن صراع معقد على تشكيل الرواية: من بدأ؟ ومن يرفض الحل؟ ومن يسعى فعلًا إلى التهدئة؟ في هذا الصراع، تصبح المبادرات الدبلوماسية أقل أهمية من الطريقة التي تُروى بها، ومن الجهة التي تنجح في إقناع العالم بنسختها من القصة.
في النهاية، قد لا تحدد المبادرة الباكستانية مسار الأزمة بقدر ما تسهم في رسم إطارها السياسي والإعلامي. فقبل أن تُحسم المواجهات على الأرض، تُحسم غالبًا أو على الأقل تُمهَّد في ميدان الروايات .



