مقالات

من الإشادة إلى الاستدامة… القيادة الخادمة المؤسسية ومستقبل القطاع غير الربحي في السعودية

بقلم مصطفى محمد القرشي

مستشار الاستثمار والمشاريع، وباحث في حوكمة وتنمية القطاع غير الربحي

لم تكن إشادة مجلس الوزراء بما حققه القطاع غير الربحي مجرد ثناء على نمو الأرقام والمؤشرات، بل جاءت تأكيدًا على أن هذا القطاع أصبح أحد المحركات الرئيسة للتنمية الوطنية، وشريكًا فاعلًا في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030. وتعكس هذه الإشادة حجم التحول الذي يشهده القطاع، والدعم الكبير الذي يحظى به من القيادة الرشيدة، حتى أصبح نموذجًا مؤسسيًا تتكامل فيه التنمية الاقتصادية مع الأثر الاجتماعي.

وتؤكد المؤشرات الرسمية هذا التحول؛ إذ تجاوز عدد المنظمات غير الربحية 7,200 منظمة بنهاية عام 2025، وبلغ عدد المتطوعين والمتطوعات 1.7 مليون متطوع، فيما ارتفعت مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.40% بما يعادل نحو 66 مليار ريال. وهي أرقام لا تمثل مجرد نمو إحصائي، بل تعكس انتقال القطاع من العمل الخيري بمفهومه التقليدي إلى قطاع تنموي مؤسسي يسهم في الاقتصاد الوطني، ويعزز المشاركة المجتمعية، ويصنع أثرًا مستدامًا.

ومع هذا النجاح، يبرز سؤال أكثر أهمية من حجم الإنجاز نفسه: كيف نحافظ على هذا الزخم؟ وكيف نضمن أن يستمر القطاع في تحقيق مستهدفاته بكفاءة واستدامة خلال السنوات المقبلة؟

الإجابة في تقديري تبدأ من القيادة.

لقد اعتمدت الإدارة التقليدية لعقود على المركزية، والتسلسل الهرمي، والرقابة المباشرة، ونجحت في بناء الهياكل التنظيمية وضبط الإجراءات. إلا أن طبيعة القطاع غير الربحي اليوم أصبحت أكثر تعقيدًا، فهو يعمل في بيئة تتطلب الابتكار، والشراكات، والعمل التطوعي، والحوكمة، وقياس الأثر، والاستدامة المالية. لذلك لم تعد الإدارة التقليدية وحدها قادرة على قيادة هذا التحول المتسارع.

وفي المقابل، تقوم القيادة الخادمة على فلسفة أن القائد الحقيقي يبدأ بخدمة الآخرين وتمكينهم قبل ممارسة سلطته عليهم. فهي قيادة تبني الثقة، وتستثمر في الإنسان، وتطوّر القدرات، وتعزز روح المبادرة، وتمنح فرق العمل والمتطوعين مساحة للإبداع وتحمل المسؤولية.

غير أن الواقع المؤسسي للقطاع غير الربحي يفرض اليوم متطلبات تتجاوز المفهوم التقليدي للقيادة الخادمة. فالجمعيات والمؤسسات الأهلية مطالبة بتطبيق أعلى معايير الحوكمة، والشفافية، والإفصاح، وإدارة المخاطر، وقياس الأثر، وتحقيق الاستدامة المالية، بما يجعل نجاحها مرهونًا بقدرتها على المواءمة بين الرسالة الإنسانية والانضباط المؤسسي.

ومن هنا يبرز مفهوم القيادة الخادمة المؤسسية بوصفه نموذجًا قياديًا متكاملًا يجمع بين القيم الإنسانية وأدوات الإدارة الحديثة. فهو لا يكتفي بجعل خدمة الإنسان غايةً للقيادة، بل يجعل الحوكمة إطارًا يحفظ كفاءة المؤسسة، ويضمن استدامتها، ويحول رسالتها إلى أثر قابل للقياس.

ويستند هذا النموذج إلى أربع مرتكزات أساسية: خدمة الإنسان، والحوكمة، وقياس الأثر، والاستدامة. وعندما تتكامل هذه المرتكزات، يتحول القائد من مدير للعمليات إلى صانع للثقافة المؤسسية، وبانٍ للثقة، وممكّن للموظفين والمتطوعين، وشريك للمانحين، وأمين على الموارد، ومسؤول عن تحقيق الرسالة وفق أفضل الممارسات المهنية.

إن الجمعيات الأهلية لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الإجراءات بقدر حاجتها إلى قيادة تمتلك رؤية واضحة، وتؤمن بأن الإنسان هو أهم أصول المؤسسة، وأن الحوكمة ليست عبئًا إداريًا، بل ضمانة لاستدامة العمل، وأن الإدارة الاحترافية لا تتعارض مع القيم الإنسانية، بل تمنحها القدرة على النمو والاستمرار.

ولعل إشادة مجلس الوزراء بما تحقق في القطاع غير الربحي تحمل رسالة تتجاوز الاحتفاء بالمنجزات؛ فهي في الوقت ذاته دعوة إلى البناء على هذا النجاح، والانتقال من مرحلة النمو إلى مرحلة ترسيخ الاستدامة المؤسسية، وتعظيم الأثر التنموي، وتعزيز كفاءة القيادات التي ستقود القطاع في المستقبل.

إن المحافظة على هذه المكتسبات لا تتحقق بزيادة عدد المنظمات غير الربحية فحسب، وإنما ببناء قيادات قادرة على استثمار الموارد، وتمكين الإنسان، وتعزيز الحوكمة، وقياس الأثر، وصناعة الثقة مع المجتمع والمانحين والشركاء. فهذه العناصر هي الضمان الحقيقي لاستمرار القطاع في أداء دوره التنموي والاقتصادي والاجتماعي.

وفي تقديري، تمثل القيادة الخادمة المؤسسية النموذج الأكثر ملاءمة لقيادة القطاع غير الربحي في السعودية خلال المرحلة المقبلة، لأنها تجمع بين نبل الرسالة واحترافية الإدارة، وبين خدمة الإنسان وكفاءة المؤسسة، وبين القيم والاستدامة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، ويعزز مكانة القطاع بوصفه شريكًا رئيسًا في التنمية الوطنية.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل قادة القطاع اليوم ليس: من يقود المؤسسة؟ بل: كيف نبني قيادة قادرة على صناعة الأثر واستدامته؟ فالمؤسسات لا تصنعها اللوائح وحدها، ولا النوايا الحسنة وحدها، وإنما تصنعها قيادة تمتلك الرؤية، وتلتزم بالحوكمة، وتستثمر في الإنسان، وتحول الرسالة إلى نتائج، والطموح إلى أثر، والإنجاز إلى استدامة. وهذا هو التحدي الحقيقي للمرحلة المقبلة، وهو الطريق الذي سيجعل القطاع غير الربحي أكثر قدرة على مواصلة النجاحات التي استحقت إشادة مجلس الوزراء، وأكثر إسهامًا في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى