مولد المصطفى ﷺ: مناسبة لإحياء السيرة وتجديد المحبة والاقتداء

بقلم: فضيلة الشيخ أبو بكر أحمد
مفتي الديار الهندية
الحمد لله الذي أكرم العالمين بإرسال خير خلقه، سيدنا محمد ﷺ، رحمةً للعالمين، وهدىً للناس أجمعين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إن ذكرى مولد النبي محمد ﷺ ليست مجرد مناسبة تتكرر في صفحات التقويم، ولا احتفالًا ينتهي بانتهاء المجالس والبرامج، وإنما هي فرصة عظيمة لاستحضار حياة سيدنا رسول الله ﷺ، والتعرف على سيرته العطرة وشمائله الكريمة وأخلاقه الرفيعة وتعاليمه المباركة، وتجديد المحبة له في القلوب، وترجمة هذه المحبة إلى اتباع واقتداء وسلوك في الحياة.
وقد خص الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ بمكانة عظيمة، وأظهر شرفه ورفعة قدره في كتابه الكريم بوجوه متعددة. ومن أبلغ ما يدل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى أقسم بزمانه، فقال: ﴿وَالْعَصْرِ﴾،أي عصر النبوة وأقسم بوجهه، فقال: ﴿وَالضُّحَى﴾، ثم أقسم بجسده وبحياة نبيه ﷺ فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72]. وفي ذلك من الدلالة على عظيم منزلته وشرف مكانته ما يستوقف القلوب والعقول.
ومن مظاهر تكريم الله تعالى لنبيه ﷺ أيضًا أنه ذكر بلدالنبي الشريف، فقال سبحانه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: 1-2]. فوجود النبي ﷺ في ذلك البلد الشريف يزيده شرفًا ومكانة، وفي هذا الاقتران القرآني إشارة إلى علو قدر المصطفى ﷺ.
ولم يكن تكريم القرآن للنبي ﷺ مقصورًا على ذكر حياته أو مكانه، بل تناول جوانب متعددة من شخصيته وحياته الشريفة.
أولًا: وجهه ﷺ ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ — البقرة: 144
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ — البقرة: 149
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ — البقرة: 150
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ — البقرة: 144
ثانيًا: قلبه وفؤاده ﷺ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ — الشعراء: 193-194
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ — النجم: 11
ثالثًا: صدره ونفسه ﷺ
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ — الشرح: 1
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ﴾ — الكهف: 6
﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ — الشعراء: 3
﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ — فاطر: 8
رابعًا: عينه وبصره ﷺ ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ — النجم: 17
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ﴾ — طه: 131﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ﴾ — الحجر: 88 ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ — الطور: 48
خامسًا: سمعه وصوته ﷺ
﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾
الحجرات: 2
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ — الحجرات: 3
سادسًا: لسانه وكلامه ﷺ
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ — النجم: 3-4
﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ — النحل: 44
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ — يس: 69
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ — يس: 69
سابعًا: قيامه وسجوده وحركته ﷺ
﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ — الشعراء: 218
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ — الشعراء: 219
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ — الإسراء: 79
﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ — المزمل: 2
ثامنًا: بيت النبي ﷺ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ — الأحزاب: 53
﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ — الأحزاب: 53﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ — الأحزاب: 53
تاسعًا: أزواج النبي ﷺ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ — الأحزاب: 6
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ — الأحزاب: 32
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ — الأحزاب: 30
﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ — الأحزاب: 31
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ — الأحزاب: 33
﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ — الأحزاب: 34
عاشرًا: أهل بيت النبي ﷺ
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ — الأحزاب: 33
الحادي عشر: والداه وأقاربه ﷺ
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾ — الضحى: 6
﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ — الضحى: 7
﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ﴾ — الضحى: 8
﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ — الشعراء: 214
الثاني عشر: أخلاقه ورحمته ﷺ
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ — القلم: 4
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ — الأنبياء: 107
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ — التوبة: 128
الثالث عشر: مكانته وفضله ﷺ
وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ — الشرح: 4
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ — الأحزاب: 56
﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ — الأحزاب: 40
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ — سبأ: 28
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ — الأحزاب: 45
وذكر لسانه في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾، كما قال سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، وذكر ضيوفه وآداب التعامل معهم، وذكر أزواجه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، فكان القرآن الكريم كتابًا يعرّف الأمة بمقام رسول الله ﷺ وحياته وأخلاقه وآدابه.
ومن أعظم الشواهد على صدق النبي ﷺ ونزاهة سيرته أن القرآن الكريم احتج على قومه بحياته بينهم قبل البعثة، فقال سبحانه: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 16]. فقد عاش رسول الله ﷺ بين قومه سنين طويلة، وعرفوه معرفة دقيقة، فلم يعرفوا عنه كذبًا ولا خيانة، بل اشتهر بينهم بالصادق الأمين.
وتتأكد هذه الحقيقة من الحوار الذي جرى بين أبي سفيان وهرقل ملك الروم، حين سأل هرقل أبا سفيان عن النبي ﷺ وعن سيرته قبل دعوته، وكان من أسئلته: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فأجاب أبو سفيان: لا. فكانت هذه شهادة من قومه أنفسهم بصدق النبي ﷺ ونزاهته، حتى من الذين لم يؤمنوا برسالته في ذلك الوقت.
إن دراسة السيرة النبوية تكشف لنا أن حياة المصطفى ﷺ كانت مدرسة متكاملة في الإيمان والعبادة والأخلاق والمعاملة والرحمة والعدل والصبر والحكمة. فقد كان ﷺ أعبد الناس، وأرحم الناس، وأصدق الناس، وأحسنهم خلقًا، وأشدهم تواضعًا، وأكرمهم معاملةً للناس.
ومن هنا فإن إحياء ذكرى مولده ﷺ ينبغي أن يكون وسيلة للتعرف على هذه السيرة المباركة، لا أن يقتصر على الكلمات والأناشيد والمظاهر الاحتفالية، بل ينبغي أن يتحول إلى تربية عملية في البيوت والمدارس والجامعات والمجتمعات؛ حتى يتعلم الأبناء كيف يحبون رسول الله ﷺ، وكيف يقتدون به، وكيف يجعلون سنته منهجًا في عبادتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم.
وأخص شباب الأمة وطلاب العلم بالعناية بالسيرة النبوية؛ فإن الأجيال الجديدة تحتاج إلى أن تعرف شخصية رسول الله ﷺ معرفة صحيحة وعميقة، وأن تتعرف على رحمته وعدله وحكمته وتواضعه وشجاعته وصبره وحسن معاملته للناس. وإن أعظم خدمة نقدمها للنشء في عصر كثرت فيه المؤثرات وتنوعت القدوات أن نربط قلوبهم برسول الله ﷺ، ونقدم لهم سيرته بأسلوب علمي وتربوي مؤثر.
وعلى المؤسسات العلمية والتعليمية مسؤولية كبيرة في هذا المجال، إذ لا يكفي أن نعلّم الطالب المعلومات، وإنما ينبغي أن نربيه على القيم التي جاء بها النبي ﷺ. فالعلم إذا لم يصحبه خلق، والمعرفة إذا لم تتحول إلى عمل، لا تحقق المقصود من التربية الإسلامية.
وفي جامعة مركز الثقافة السنية نولي عناية خاصة بخدمة السنة النبوية ونشر محبة المصطفى ﷺ وتعريف الطلبة بسيرته وشمائله وأخلاقه. ونحرص على أن تكون البرامج المتعلقة بالمولد النبوي مناسبة للعلم والتربية والدعوة، وأن تجمع بين المعرفة بالسيرة والتأثر بها والعمل بمقتضاها.
إن أعظم تعظيم للنبي ﷺ أن نعرف قدره، ونكثر من الصلاة والسلام عليه، ونحب سنته، ونتأدب بآدابه، ونقتدي بأخلاقه، وننقل سيرته إلى أبنائنا وطلابنا ومجتمعاتنا. فالمحبة الصادقة ليست مجرد دعوى، وإنما تظهر آثارها في السلوك والعمل والاقتداء.
وإننا إذ نحيي ذكرى مولد خير البرية ﷺ، ندعو أبناء الأمة إلى أن يجعلوا هذه المناسبة بداية عهد متجدد مع السيرة النبوية؛ عهدٍ بالقراءة والتعلم والصلاة والسلام والاقتداء والعمل، وأن يكون في كل بيت مسلم نصيب من سيرة رسول الله ﷺ، وفي كل مدرسة وجامعة برنامج لتعريف الناشئة بشخصيته العظيمة، وفي كل مجتمع مجالس تذكّر الناس بأخلاقه ورحمته وهديه.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا صدق محبة نبيه المصطفى ﷺ، وأن يحشرنا في زمرته، وأن يوفقنا لاتباع سنته والاقتداء بهديه، وأن يجعل أبناءنا وطلابنا من حملة سيرته ودعاة أخلاقه، وأن يحفظ بلادنا وأمتنا، ويجمع قلوب المسلمين على الخير والمحبة والسلام.



