حين أشرقت الأرض بنور محمد( صلى الله عليه وسلم )

بقلم: ناصر السلاموني
حين نتحدث عن المولد النبوي الشريف، فإننا لا نستحضر ذكرى مولد أعظم رجل عرفته البشرية فحسب، وإنما نستحضر بداية رسالة غيّرت وجه التاريخ، ورسولًا جعله الله رحمة للعالمين، فقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، ووصفه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
فلم يكن مجيء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) منفصلًا عن باقى الأنبياء، بل جاء امتدادًا لدعوة إبراهيم (عليه السلام) وبشارة عيسى( عليه السلام). فعندما رفع إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام )قواعد البيت الحرام دعوا الله قائلين: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 129]. وجاء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم )من ذرية إسماعيل، ومن أهل مكة، فكان هو الرسول الذي تحققت فيه هذه الدعوة المباركة، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: «أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى».
أما عيسى (عليه السلام )فقد بشّر به صراحة، كما سجل القرآن الكريم: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6]. وهكذا تلتقي في مولد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم )دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، وخاتمية الرسالة.
ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة المكرمة في عام الفيل، وقد اشتهر عند كثير من المسلمين القول بأنه الثاني عشر منه. أما موضع ولادته داخل مكة، فقد نقل مؤرخو مكة أن مولده كان في شِعب بني هاشم، في دار جده عبدالمطلب، وهو الموضع الذي عُرف تاريخيًا باسم( دار المولد).
وقد ذكر هذا الموضع عدد من مؤرخي مكة، وفي مقدمتهم الأزرقي والفاكهي، ثم تتابعت الإشارة إليه في كتب مؤرخي مكة عبر القرون، وظل اسم «المولد» حاضرًا في ذاكرة أهل مكة ووثائقها. ثم تحولت الدار في مرحلة لاحقة إلى مسجد، وعُرفت المنطقة المحيطة بها بزقاق المولد، وفي العصر الحديث أقيمت في موضعها (مكتبة مكة المكرمة).
ومن أجمل ما ورد في شأن مولده صلى الله عليه وآله وسلم ما روي عن أمه السيدة آمنة بنت وهب (رضي الله عنها)؛ فقد أخبر النبي( صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث: «ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بُصرى من أرض الشام».
ومن أشهر ما ذكرته كتب السيرة ودلائل النبوة من إرهاصات مولده صلى الله عليه وآله وسلم ما روي عن أحداث وقعت في بلاد فارس؛ فقد أورد البيهقي في دلائل النبوة رواية تذكر ارتجاس إيوان كسرى وسقوط أربع عشرة شرفة منه، وخمود نار فارس، وغور ماء بحيرة ساوة، ورؤيا الموبذان. وتروي الرواية أن هذه الأحداث أثارت اضطراب كسرى، وأنها ارتبطت في تفسير أهل فارس بظهور أمر جديد من جهة العرب.
وكانت الأخلاق جوهرًا أساسيًا في رسالته، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق». ولذلك فإن محبة رسول الله لا تكون بالمدح والاحتفال وحدهما، وإنما باتباعه في الصدق والأمانة والرحمة والعدل وحفظ الحقوق. قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].
لقد جاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مجتمع أنهكته العصبية والقبلية والثأر، فأسس مجتمعًا يقوم على الأخوة والعدل والتكافل، وأعاد للإنسان كرامته، وجعل التقوى والعمل الصالح معيار التفاضل، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
وما أحوج عالمنا اليوم إلى أخلاق الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ ففي زمن تنتشر فيه الحروب والكراهية والشائعات، نحتاج إلى رحمته في علاقاتنا، وعدله في مجتمعاتنا، وصدقه في إعلامنا، وحكمته في خلافاتنا. وقد وضع القرآن قاعدة عظيمة في التعامل مع الأخبار فقال: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: 6]، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع».
ولم تكن رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رسالة عبادات فحسب، وإنما كانت رسالة علم وبناء للإنسان. وكان أول ما نزل من الوحي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]. وجاءت مهمته في القرآن واضحة: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]. ومن هنا قامت حضارة جعلت العلم طريقًا إلى القوة، والأخلاق أساسًا للعمران.
وقد عبّر سيدنا العباس بن عبدالمطلب( رضي الله عنه) عن فرحته بمولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأبيات مشهورة:
وأنتَ لما وُلدتَ أشرقتِ الـ
أرضُ وضاءتْ بنورِك الأفقُ
فنحنُ في ذلك الضياء وفي الـ
نورِ وسبلِ الرشادِ نخترقُ
وإذا كان المسلمون يختلفون في بعض تفاصيل تاريخ المولد وكيفية الاحتفاء به، فإنهم لا يختلفون في محبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا في وجوب الإيمان به واتباعه وتعظيم سنته.
إن المولد النبوي ليس مجرد تاريخ نتذكره ثم نمضي، بل مناسبة نستعيد فيها السيرة لنراجع أنفسنا: هل صدقنا كما صدق محمد؟ هل رحمنا كما رحم؟ هل حفظنا الأمانة كما حفظ؟ هل عدلنا حين اختلفنا؟ وهل جعلنا العلم وسيلة لبناء الإنسان والمجتمع؟
وهنا تكمن عظمة المولد: ليست العبرة فقط بالمكان الذي ولد فيه النبي، ولا بما روي من إرهاصات أحاطت بمولده، وإنما بما تركه في حياة الإنسانية من قرآن وهداية وأخلاق وعدل ورحمة.
فإذا أردنا أن نحتفي بمولد رسول الرحمة، فلنجعل من ذكراه مولدًا للرحمة في قلوبنا، والصدق في أعمالنا، والأمانة في معاملاتنا، والعلم في مجتمعاتنا، والعدل في مواقفنا، والوحدة بين أبناء أمتنا، والتحقق في إعلامنا.
ذلك هو المولد الذي لا ينتهي بانتهاء المناسبة؛ مولد القيم في النفوس، ومولد الرحمة في المجتمع، ومولد المسؤولية في الإنسان.
صلّى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وكل عام والأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء بخير ورحمة وسلام.


