مقالات

أمريكا على حافة السويس الجديدة هل يبدأ سقوط الإمبراطورية من مضيق هرمز؟

د. احمد الاعرجي

لم تعد الولايات المتحدة أمام أزمة نفوذ عابرة بل أمام اختبار تاريخي قد يحدد شكل النظام الدولي لعقود قادمة .

منذ صعود القوة الأمريكية بعد عام 1865 ثم ترسخ هيمنتها منذ سبعينيات القرن التاسع عشر استطاعت واشنطن أن تتحول تدريجياً إلى مركز القوة الأكبر في العالم .

غير أن الهيمنة مهما بلغت لا تعني الخلود .
فالقوى الكبرى تبدأ بالانحسار عندما تتغير البيئة الدولية أسرع من قدرتها على التكيف معها.

ومنذ عام 2010 أخذ الصعود الصيني يفرض واقعاً جديداً على الولايات المتحدة .

لم تعد واشنطن تتحرك في عالم تملك فيه وحدها مفاتيح القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية والسياسية ، بل دخلت مرحلة تنافس استراتيجي طويل مع قوة صاعدة قادرة على إعادة تشكيل موازين العالم .

لكن الخطر الأكبر قد لا يأتي من الصين وحدها .

إن الشرق الأوسط يمكن أن يتحول إلى المستنقع الذي يستنزف القوة الأمريكية إذا أخطأت واشنطن حساباتها .
فمع بداية المواجهة العسكرية مع إيران عام 2025 وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد خصوصاً مع ارتباط سياستها الإقليمية بصورة متزايدة بحماية الأمن الإسرائيلي .

وهنا ينبغي أن يُطرح السؤال بلا مجاملة:
هل تحمي الولايات المتحدة إسرائيل أم أنها تخاطر بمستقبل قوتها من أجل حماية إسرائيل؟

التاريخ يقدم تحذيراً لا ينبغي تجاهله.

في أزمة السويس عام 1956 دخلت بريطانيا وفرنسا الحرب إلى جانب إسرائيل ضد مصر ، ظناً منهما أن القوة العسكرية قادرة على حماية مصالحهما ونفوذهما .

لكن النتيجة كانت مختلفة؛ فقد كشفت الأزمة حدود القوة البريطانية وساهمت في تسريع نهاية عصر الهيمنة البريطانية .

واليوم قد تكون واشنطن أمام «سويس جديدة» ولكن هذه المرة عند مضيق هرمز !!

فهرمز ليس مجرد ممر مائي؛ إنه عقدة استراتيجية تمس أمن الطاقة والتجارة العالمية وأي مواجهة واسعة فيه قد تفتح أبواباً يصعب على الولايات المتحدة إغلاقها.

والدخول في حرب مفتوحة هناك قد يحول التفوق العسكري الأمريكي من مصدر قوة إلى عبء استنزاف طويل .

القوة العظمى لا تحتاج دائماً إلى خوض كل معركة تثبت فيها قوتها؛ بل تحتاج إلى معرفة أي معركة تستحق أن تخوضها ، ومتى يجب أن تتراجع خطوة لحماية موقعها لعقود قادمة .

لذلك فإن المصلحة الأمريكية تقتضي إعادة ترتيب الأوراق ، واستيعاب الصدمات وتقليل الانخراط في مغامرات الشرق الأوسط وعدم تحويل حماية حليف إلى التزام استراتيجي يهدد مركز الولايات المتحدة ذاته .

فبريطانيا لم تسقط لأنها لم تكن قوية وإنما لأنها دخلت مرحلة أصبح فيها الحفاظ على الإمبراطورية أكثر كلفة من قدرة الإمبراطورية على الاحتمال .

وقد لا تكون نهاية أمريكا في الشرق الأوسط قدراً محتوماً .

لكن التاريخ يقول إن الإمبراطوريات لا تنتهي دائماً بضربة واحدة…

أحياناً تبدأ نهايتها عندما تعبر مضيقاً واحداً ، ظناً منها أنها تعبره نحو الانتصار ، بينما تكون في الحقيقة تعبره نحو الاستنزاف .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى