مقالات

إسرائيل.. آخر المعاقل الاستعمارية في عالمٍ تتجه بوصلته نحو الشرق


بقلم: د. عمار رياض اللفته

قراءة تحليلية في تحوّل موازين القوة العالمية وأثرها في الموقع الاستراتيجي لإسرائيل



على مدى القرن العشرين، تكرّس موقع إسرائيل بوصفها ركناً أساسياً في الاستراتيجية الغربية في الشرق الأوسط. فهي لم تكن مجرد كيان سياسي داخل توازنات المنطقة، بل مثّلت أداة جيوسياسية وقاعدة عسكرية–استخباراتية اعتمدت عليها الولايات المتحدة وأوروبا في بناء شبكة نفوذ واسعة امتد أثرها لعقود.غير أن العالم الذي أتاح لهذا الدور أن يترسخ لم يعد هو نفسه اليوم. فخلال العقدين الأخيرين، بدأت بنية القوة الدولية تتغير على نحو واضح، مع تراجع نسبي في الوزن الاقتصادي الغربي وصعود آسيوي متسارع نقل جانبًا كبيرًا من مركز الثقل العالمي نحو الشرق. وفي ضوء هذا التحول، لم تعد إسرائيل تبدو كما كانت في زمن الأحادية الغربية، بل ككيان نشأ في بيئة دولية أخذت أسسها تتآكل تدريجيًا.
أول ما يكشف هذا التحول هو تبدل البنية الاقتصادية العالمية نفسها. فمنذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام ١٩٩١، عاشت الولايات المتحدة ما سُمّي بـ”اللحظة الأحادية”، حين بدت القوة المهيمنة الوحيدة على النظام الدولي. لكن الأرقام الحديثة تُظهر أن تلك اللحظة كانت أقصر من أن تتحول إلى قاعدة تاريخية مستقرة. فوفق بيانات صندوق النقد الدولي لعام ٢٠٢٤، شكّل اقتصاد آسيا والمحيط الهادئ نحو ٤٦٪ من الناتج العالمي وفق تعادل القوة الشرائية، فيما ارتفعت حصة آسيا من الاقتصاد العالمي من ٢١٪ عام ١٩٩٠ إلى نحو ٣٩٪ عام ٢٠٢٣. وتشير التوقعات المشتركة لصندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن آسيا ستتجاوز ٥٨٪ من الناتج العالمي بحلول عام ٢٠٣٠. أما البنك الدولي، فيشير إلى أن الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية مجتمعة تنتج أكثر من ثلث الصناعة العالمية، فيما أصبحت الصين أكبر دولة تجارية في العالم منذ عام ٢٠١٣ واستمرت في هذا الموقع حتى عام ٢٠٢٤. ويذهب تقرير برايس ووترهاوس كوبرز إلى أبعد من ذلك، إذ يتوقع أن تتفوق اقتصادات مجموعة الاقتصادات الصاعدة السبع، التي تضم الصين والهند والبرازيل وروسيا وإندونيسيا والمكسيك وتركيا، على اقتصادات مجموعة الدول الصناعية السبع بين عامي ٢٠٣٥ و٢٠٤٠، وأن تشكل الأولى نحو ٥٠٪ من الناتج العالمي بحلول ٢٠٥٠، مقابل أقل من ٣٠٪ للثانية. وفي المقابل، تكشف بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والمكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي أن النمو السنوي في أوروبا خلال الفترة ٢٠١٠-٢٠٢٤ تراوح بين ٠٫٢٪ و١٫٥٪ فقط، مع تراجع الإنتاجية الأميركية والأوروبية منذ عام ٢٠٠٥ بنسبة تراوحت بين ٣٠٪ و٤٠٪ مقارنة بالعقود السابقة، فضلًا عن تسارع الشيخوخة السكانية بحيث سيكون واحد من كل خمسة أوروبيين فوق سن الخامسة والستين بحلول عام ٢٠٣٠.
ولا يتوقف الأمر عند الناتج والإنتاجية، لأن رأس المال نفسه بدأ يغير اتجاهه. فبحسب تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “تقرير الاستثمار العالمي ٢٠٢٤”، اتجه ٤٩٪ من الاستثمار الأجنبي المباشر إلى آسيا النامية، ما جعلها المتلقي الأكبر عالميًا لهذا النوع من الاستثمارات. كما تصدرت الصين والهند وسنغافورة والإمارات والسعودية وفيتنام وإندونيسيا قائمة الدول الأكثر جذبًا لرؤوس الأموال الأجنبية، في وقت شهدت فيه أوروبا انخفاضًا في التدفقات الاستثمارية بنسبة ٥٨٪ خلال ٢٠٢٣-٢٠٢٤. وإلى جانب حركة الأموال، انتقلت مراكز التكنولوجيا نفسها شرقًا. فتقارير معهد ماكينزي العالمي تشير إلى أن ٧٠٪ من مراكز تصنيع التكنولوجيا المتقدمة انتقلت من أوروبا والولايات المتحدة إلى آسيا منذ عام ٢٠٠٠. كما باتت كوريا الجنوبية، إلى جانب تايوان، تمتلك ٧٠٪ من سوق الرقائق المتقدمة، بينما تحولت الهند إلى مركز عالمي للبرمجيات وخدمات التقنية بطاقة بشرية تتجاوز ٥ ملايين مهندس. وفي موازات هذا الصعود الآسيوي، برز الخليج لاعبًا اقتصاديًا جديدًا؛ إذ أصبحت الإمارات والسعودية أكبر مركزين ماليين في الشرق الأوسط، كما دخلتا ضمن أسرع ١٠ اقتصادات نموًا وفق تقارير صندوق النقد الدولي بين ٢٠٢٢ و٢٠٢٤، وتحولتا إلى وجهتين أساسيتين لاستثمارات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية ومشاريع التحول الحضري.

ومن النتائج المباشرة لهذا التحول ما يمكن تسميته، على نحو متزايد الواقعية، بـ”الهجرة العكسية”. فالصورة التي طبعت القرن العشرين، حيث كان العامل الآسيوي أو الشرقي يشد الرحال إلى أوروبا وأميركا، قد تنعكس خلال العقود القادمة. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بفروق الأجور، بل بمكان السوق، وحجم الاستثمار، وسرعة التوسع الصناعي والتكنولوجي. وتشير النماذج الديموغرافية الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والمؤسسات الأوروبية إلى أن أوروبا تتجه نحو تقلص في قوة العمل واشتداد الضغوط المرتبطة بالشيخوخة. وقدّر مركز البحوث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية أن قوة العمل في الاتحاد الأوروبي قد تنكمش، إذا بقيت معدلات المشاركة على حالها، بنحو ٤٢٫٨ مليون شخص بحلول عام ٢٠٧٠، فيما تتحدث بعض النماذج عن نقص قد يصل إلى ٣٥ مليون عامل بحلول عام ٢٠٤٠. في المقابل، تتزايد حاجة آسيا ودول الخليج إلى الكفاءات المتخصصة مع التوسع المتسارع في الأسواق الصناعية والتكنولوجية. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن ٦٣ من كل ١٠٠ عامل في الهند سيحتاجون إلى تدريب أو إعادة تأهيل بحلول عام ٢٠٣٠، فيما تكشف دراسة مشتركة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي عن ارتفاع سريع ومتواصل في الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي في قطاع الخدمات الهندي منذ عام ٢٠١٦. ومن هنا تبرز تقديرات تتحدث عن حاجة آسيا، ولا سيما الهند وفيتنام وتركيا ودول الخليج، إلى ما بين ٤٠ و٥٠ مليون متخصص إضافي خلال العقود المقبلة. وهذا ما يجعل الحديث عن انتقال جزء من الكفاءات الأوروبية إلى الشرق أقرب إلى سيناريو عملي منه إلى مجرد فرضية نظرية.
في قلب هذا التحول تقف إسرائيل أمام بيئة دولية لم تعد تشبه البيئة التي نشأت فيها. فقد وُلدت كأداة جيوسياسية غربية، وقاعدة متقدمة في قلب الشرق الأوسط، وركيزة وظيفية لموازنة النفوذ السوفييتي سابقًا، ثم الإيراني, التركي و المصري لاحقًا. لكن بروز عالم متعدد الأقطاب يضع هذا الدور تحت ضغط متزايد. فمن جهة، تتقلص الحصانة السياسية التي تمتعت بها إسرائيل طويلًا داخل المؤسسات الدولية. فالقوى الصاعدة، مثل الصين والهند وتركيا وجنوب أفريقيا والبرازيل، لم تعد تتبنى تلقائيًا الرواية الغربية في الصراعات، كما أن الرؤية الأممية المناهضة للممارسات الإسرائيلية تزايدت منذ عام ٢٠١٥، فيما تدفع دول بريكس بلس نحو إعادة تعريف قواعد القانون الدولي بعيدًا عن الاحتكار الغربي التقليدي. ومن جهة ثانية، تواجه إسرائيل تحديًا اقتصاديًا مباشرًا. فهي اعتمدت طوال عقود على التكنولوجيا الأميركية، والسلاح الغربي، والأسواق الأوروبية، والدعم المالي والسياسي الأميركي، وعلى البيئة الليبرالية العالمية التي سمحت لشركاتها بالاندماج في سلاسل التوريد. غير أن انتقال التكنولوجيا إلى آسيا يقلص امتيازها النسبي في قطاع التكنولوجيا الفائقة، فيما يؤدي التوسع الاقتصادي في السعودية والإمارات وتركيا وإيران إلى تقليل الحاجة الإقليمية إلى إسرائيل كمركز مالي وتكنولوجي استثنائي. ومع تراجع الوزن الغربي، تتراجع أيضًا فعالية الردع الدبلوماسي الأميركي لصالحها.
لهذا كله، لا يعود صعود الشرق مجرد خلفية دولية جديدة، بل يصبح تهديدًا بنيويًا لإسرائيل نفسها. فكلما تراجعت الهيمنة الاقتصادية الغربية، تراجع تباعًا النفوذ السياسي الغربي، وتقلصت قدرة الغرب على حماية إسرائيل من الضغوط القانونية الدولية، والعقوبات المحتملة، ومن تشكل تقاربات إقليمية جديدة بين إيران وتركيا والعالم العربي والقوى الآسيوية الصاعدة. وفوق ذلك، فإن الدول الصاعدة لا ترى إسرائيل ضرورة استراتيجية على النحو الذي رآها به الغرب خلال الحرب الباردة وما بعدها. فالصين والهند وروسيا وتركيا ودول الخليج تنظر إلى الشرق الأوسط من زاوية الطاقة، والتجارة، والممرات اللوجستية، والاستثمارات، لا من زاوية حماية مشروع استعماري أو تبني السردية الغربية القديمة. ومع التحول الديموغرافي العالمي، حيث تتقدم الهند اقتصاديًا وسكانيًا، وتبقى الصين قوة صناعية وتكنولوجية، وتتعاظم أوزان إندونيسيا ونيجيريا وتركيا، تنتقل مراكز الثقل نحو مجتمعات لا تحمل الإرث الأوروبي نفسه في علاقتها بإسرائيل. وهذا يعني أن البيئة الدولية التي منحتها شرعيتها الاستراتيجية الواسعة تتآكل على مهل ولكن بثبات.

وفي أفق ٢٠٤٠-٢٠٥٠، تبدو إسرائيل مرشحة للتحول التدريجي من أصل استراتيجي خدم الغرب طويلًا إلى عبء استراتيجي يزداد ثقله مع تغيّر النظام الدولي. فقد كانت في السابق قاعدة متقدمة وحليفًا أمنيًا وأداة ردع، لكن العالم الذي كان يُدار بالقوة العسكرية والهيمنة الإعلامية يتجه اليوم إلى تعددية أوسع تُعلي من شأن التجارة والطاقة والاستثمار والتوازنات الإقليمية. وفي مثل هذا المناخ، تصبح كلفة حماية إسرائيل سياسيًا وعسكريًا وأخلاقيًا أعلى من السابق، بينما يضر استمرار الدعم غير المشروط لها بعلاقات الغرب مع القوى الآسيوية والجنوبية الصاعدة. وفي الوقت نفسه، تضعف الرواية الإسرائيلية مع تراجع احتكار الغرب لصناعة الشرعية وتنامي روايات بديلة داخل المؤسسات الدولية والوعي العالمي الجديد. كما أن الترتيبات الإقليمية الجديدة في مجالات الطاقة والتجارة والتكنولوجيا تتشكل بوتيرة متسارعة بين الرياض وأبوظبي وأنقرة والدوحة وبكين ونيودلهي، من دون أن تبدو إسرائيل محورًا طبيعيًا فيها بسبب طابعها الصراعي وضعف امتداداتها الاقتصادية الإقليمية.
ومن هنا، تبدو إسرائيل أمام خيارين: إما الاندماج في عالم جديد عبر مراجعة طابعها الاستعماري، العنصري واللاإنساني، وتخفيف البنية الفكرية القائمة على التمركز العرقي والإثني ونزع الإنسانية عن الآخر؛ وإما الاستمرار كحصن غربي بنزعة قومية متطرفة ذات سمات فاشية في منطقة تبتعد تدريجيًا عن الغرب. غير أن هذا الخيار الثاني سيكون أعلى كلفة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وأخلاقيًا. فالمشكلة الكبرى التي تواجه إسرائيل في العقود القادمة ليست فقط خصومها التقليديين، بل الزمن الدولي نفسه. فالمعادلات التي صنعت قوتها تتآكل، والبيئة التي منحتها الحماية لم تعد مستقرة، والعالم الذي يتجه شرقًا لم يعد يرى المنطقة بالمنظار الغربي ذاته.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي في العقود المقبلة لن يكون فقط كيف تحافظ إسرائيل على تفوقها، بل ما إذا كانت قادرة أصلًا على إعادة تعريف نفسها بما يسمح لها بالبقاء داخل عالم لم يعد يشبه زمن تأسيسها. إن التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي ليست مجرد تبدل في خرائط التجارة أو انتقال في مراكز الإنتاج، بل إعادة تشكيل عميقة لبنية القوة الدولية. ومع انتقال مركز الثقل إلى آسيا، وتراجع القدرة الغربية على فرض الهيمنة السياسية والعسكرية والإعلامية التي تمتعت بها لعقود، تتعرض إسرائيل لاختبار تاريخي يتجاوز حدود الصراع العسكري المباشر. فالمستقبل الاقتصادي والسياسي يُكتب بدرجة متزايدة من نيودلهي وبكين وأنقرة والرياض و ايران، أكثر مما يُكتب من واشنطن ولندن وباريس. وبينما تتغير قواعد اللعبة الدولية، وتُعاد صياغة أولويات المنطقة والعالم، تبدو إسرائيل اليوم، في خضمّ هذا التحوّل الدولي العميق، كأنها آخرُ ظلالِ زمنٍ يرحل على مهل، وبقايا مرحلةٍ كانت تستمدّ معناها من هيمنةٍ غربية آخذة في الانحسار، وعالمٍ يتشكّل على إيقاعٍ مختلف، تُكتب خرائطه السياسية والاقتصادية بعيدًا عن منطق القوة القديمة ومراكزها المتآكلة.

إسرائيل… آخر المعاقل الاستعمارية في عالمٍ تتحوّل بوصلته الاقتصادية والسياسية نحو الشرق
د.عمار رياض اللفته
على امتداد القرن العشرين، حافظت إسرائيل على مكانتها بوصفها الأداة الاستراتيجية الأبرز للغرب في الشرق الأوسط. لم تكن مجرد دولة، بل كانت  وما زالت  إحدى البُنى الرئيسة للمشروع الاستعماري الحديث، ونقطة الارتكاز التي بنت عليها الولايات المتحدة وأوروبا شبكة نفوذٍ جيوسياسي غطّت المنطقة والعالم . لكن العالم الذي سمح بنشوء هذا الكيان ورعايته لعقود بدأ يتغير تدريجيا. ففي العقدين الأخيرين، شهد النظام العالمي تحوّلًا بنيويًا عميقًا من خلال  تراجعٌ نسبيّ في القوة الاقتصادية الغربية، مقابل صعود آسيوي غير مسبوق سرّع من انتقال مركز الثقل العالمي. وفي ظل هذه المتغيرات، تبدو إسرائيل كأنها بقايا عصر يتداعى، في وقتٍ ينشغل فيه الغرب بإدارة انكماشه، ويثبت الشرق نفسه كمحرّك رئيسي للاقتصاد العالمي من هنا يمكن القول :

أولاً: تحوّل البنية الاقتصادية العالمية… من أحادية القطب إلى تعددية ناشئة
منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام ١٩٩١، عاشت الولايات المتحدة ما عُرف بـ”اللحظة الأحادية”، حين بدت القوة المهيمنة الوحيدة على النظام الدولي. غير أن البيانات الاقتصادية الحديثة تشير إلى أن تلك اللحظة لم تكن سوى مرحلة قصيرة ضمن مسار تاريخي أطول، يشهد اليوم تحوّلاً واضحاً في موازين القوة الاقتصادية العالمية.
في هذا السياق، تكشف الأرقام عن صعود آسيوي متسارع. فوفق بيانات صندوق النقد الدولي لعام ٢٠٢٤، شكّل اقتصاد آسيا والمحيط الهادئ نحو ٤٦٪ من الناتج العالمي وفق تعادل القوة الشرائية. كما ارتفعت حصة آسيا من الاقتصاد العالمي من ٢١٪ عام ١٩٩٠ إلى نحو ٣٩٪ عام ٢٠٢٣. وتشير التوقعات المشتركة لـصندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن آسيا ستتجاوز ٥٨٪ من الناتج العالمي بحلول عام ٢٠٣٠.
أما البنك الدولي، فيشير إلى أن الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية مجتمعة تنتج أكثر من ثلث الصناعة العالمية، في دلالة واضحة على انتقال مركز الثقل الصناعي نحو الشرق. كما أصبحت الصين أكبر دولة تجارية في العالم منذ عام ٢٠١٣، واستمرت في هذا الموقع حتى عام ٢٠٢٤.
وفي مؤشر آخر على هذا التحول، يتوقع التقرير الصادر عن برايس ووترهاوس كوبرز، وهو من أكثر التقارير استخداماً في التحليل الجغرافي–الاقتصادي، أن يشهد العالم بحلول عام ٢٠٥٠ تفوق اقتصادات مجموعة الاقتصادات الصاعدة السبع، التي تضم الصين والهند والبرازيل وروسيا وإندونيسيا والمكسيك وتركيا، على اقتصادات مجموعة الدول الصناعية السبع، التي تشمل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وكندا واليابان مجتمعة، وذلك في الفترة الممتدة بين ٢٠٣٥ و٢٠٤٠. ووفق التقرير نفسه، ستشكل مجموعة الاقتصادات الصاعدة السبع نحو ٥٠٪ من الناتج العالمي بحلول ٢٠٥٠، مقابل أقل من ٣٠٪ لـمجموعة الدول الصناعية السبع.
في المقابل، تظهر مؤشرات التراجع الغربي بشكل متزايد. فبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والمكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي خلال الفترة ٢٠١٠–٢٠٢٤ تُظهر أن النمو السنوي في أوروبا تراوح بين ٠٫٢٪ و١٫٥٪ فقط. كما تراجعت الإنتاجية الأميركية والأوروبية منذ عام ٢٠٠٥ بنسبة تتراوح بين ٣٠٪ و٤٠٪ مقارنة بالعقود السابقة. وإلى جانب ذلك، تتجه أوروبا إلى شيخوخة سكانية متسارعة، إذ سيكون واحد من كل خمسة أوروبيين فوق سن الخامسة والستين بحلول عام ٢٠٣٠. وهذه المؤشرات مجتمعة تعكس تآكلاً بنيوياً يضع الغرب في موقع الدفاع أكثر من كونه في موقع المبادرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى