ازدواجية المعايير في ملف العراق والكويت

بقلم… لمياء العامري
الى الولايات المتحدة والغرب والدول العربية، ان اوان مراجعة الاحداث بحكمة والتفكر اتعاظا بالماضي القريب، عندما قررت امريكا التحالف مع ثلاث وثلاثين دولة لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي في 2 اب 1990 تدخلا عسكريا عام 1991 بعد سبعة اشهر من سقوط دولة الكويت تحت عجلات الباصات العراقية.
تمت المواجهة العسكرية في ظل قرارات الامم المتحدة التي شرعنت استخدام القوة ضد العراق بحجة حماية الكويت باعتبارها دولة معتدى عليها، ورفعت الامم المتحدة حينها شعار الشرعية الدولية التي انتهكها الجيش العراقي لدولة عضو فيها، اليس من حقنا ان نتساءل: لماذا لا يطبق المعيار نفسه في حالات اخرى مثل فنزويلا وهي ايضا دولة عضو في الامم المتحدة؟.
امريكا والدول المتحالفة منذ اخراج العراق من الكويت بالقوة ترسخ منطق العسكر في حل الامور العالقة ، وغابت الاسئلة الجوهرية التي توجه سياق الازمة وتراكماتها ومسؤوليات الاطراف كافة.
دفع العراق ثمنا باهظا .. حصار اقتصادي دام ثلاث عشرة سنة .. اعوام عجاف ارمضت الضرع وجففت الحرث، وفرضت على العراق تعويضات ضخمة.. مبالغ اغلبها.. غير منصفة، وترتب عليه تقييد سياسي وامني غير مسبوق، وسرقت ارضه ومياهه وثرواته تحت مسمع ومرأى الجميع والجميع صامتون، لم يبادروا الى فتح نقاش موضوعي جاد حول جذور النزاع واسبابه والاستفزازات المتلاحقة التي لم تنثني عنها الكويت برغم مناشدات العراق لها.
وبعد ان ياس العراق توجه الى الامم المتحدة، التي اقرت حقه بكف التجاوزات الكويتية آنذاك، ولم تنه الكويت عن تصرفاتها؛ كما لو تريد وتخطط لما حدث بلا ملامة مقصودة، تستهدف توريط العراق بالغزو لضربه قبل ان تتبلور فيه ترسانة عسكرية جديدة تقلق اسرائيل، بعد خروجه مستنزفا من الحرب ضد ايران.
لم يحاول الغرب ولا العرب البحث في السياسات الكويتية التي سبقت الانفجار واسهمت بتأزيمه؛ لان اختزال حرب معقدة في عنوان اخلاقي بسيط شتت الحقيقة بقدر ما اضر بالشعب العراقي المضطهد.
نقد سياسات الكويت في ادارة ازماتها مع العراق امر بات لا يمكن اغفاله، سيما وان الاداء السياسي اتسم في محطات متعددة بتدويل الخلافات سريعا وتقديم سردية احادية ملفقة وكاذبة الى المجتمع الدولي، بدل النوايا الصادقة لحل الخلافات وفق الاطار الدبلوماسي الرصين والمحترم، وعدم ترك الامور تتداعى الى استنفاد الادوات الحقيقية في حوار اقليمي عميق.
لجوء الكويت المستمر الى التحالفات الكبرى بوصفها خط الدفاع الاول، لا يبني استقرارا دائما في جوار ملتهب بطبيعته، اما الامم المتحدة فمسؤوليتها لا تقف عند تنفيذ القرارات بل تمتد الى ضمان عدالة تطبيقها وتوازنها ولا تأتي على شعب من دون اخر ولا مصلحة لها بتبديد ثروات شعب يتجاوز خمسة واربعين مليون نسمة لارضاء نظيره الذي لا يعدو مليوني نسمة… فهذا ظلم بين ومستنكر.
اظهرت التجربة ان الشرعية الدولية قد تستخدم احيانا كاداة في صراعات معقدة، ما يستوجب مراجعة نقدية لمنظومة اتخاذ القرار خصوصا حين تكون العقوبات شاملة وطويلة الامد وتمس الشعوب اكثر مما تمس الانظمة.
الى صناع القرار في واشنطن والعواصم الغربية، المنطقة لم تعد كما كانت في التسعينيات، العراق اليوم يسعى الى تثبيت موقعه كشريك اقليمي ودولي ملتزم بالقانون الدولي، محققا ثباتا واضحا في مسارات الاستقرار والتعاون، والدعوة الى قراءة المشهد بعين الماضي تعني اعادة انتاج الاخطاء الماضية.
نستغرب من الدول العربية مجانبة الحق “وليس بعد الحق الا الضلال” تضامنا مأزوما يعطل التفكير النقدي، وصولا الى اصطفاف غبي نابع من مغريات مؤقتة، والبناء المتطلع.. طمعا.. الى تصديق رواية رسمية تلفقها الكويت وهم يعلمون جليا انها اكاذيب.
الاستقرار الحقيقي في الخليج لا يتحقق عبر الاستقواء بالخارج كلما اشتد الخلاف، بل عبر بناء منظومة ثقة اقليمية قائمة على المصالح المتبادلة والشفافية واحترام السيادة واعادة الحقوق لاصحابها.
القضايا العالقة مع الكويت بما فيها الملفات الحدودية والبحرية مثل خور عبدالله لا تحل بالشعارات ولا بالتصعيد الاعلامي، بل عبر تفاوض دبلوماسي صريح يستند الى القانون الدولي ويهدف الى تسوية عادلة ومستدامة تراعي حقوق الشعبين، ليس صحيحا تطبيق مبدأ “ما لقيصر لقيصر وما لله لقيصر”، والاستثمار في الخلافات وتضليل الرأي العام الدولي والعربي واسترجاع ذاكرة الصراع لن ينتج الا دورات جديدة من التوتر والتصعيد، سيما ان الكويت استغلت المرحلة الحرجة التي مر بها العراق بعد العام 1991 واستنزفت كل الثروات التي استطاعت ان تنفذ لها، ولم تتوقف عند ذلك، انما سعت جاهدة لشراء ذمم عراقية مازومة من سياسيين لا تربطهم بالعراق سوى اسمائهم، وهناك شهادات رسمية تؤكد ضلوع الكويت بتلك الرشاوى لاستغلال ثروات الشعب العراقي واقتناص فرصة الفوضى التي تعم البلد شر استغلال.
المنطقة اليوم امام خياران: اما الاستمرار بتدوير سرديات الصراع القديمة الباطلة او الانتقال الى مقاربة جديدة، والحكمة تقتضي النظر ابعد من الانفعال نحو مستقبل اكثر توازنا وعدلا للجميع، والنظر الى مصلحة الشعب العراقي الذي عانى طويلا من سرقة خيراته وثرواته بشتى الصور والاشكال ومن جميع دول الجوار، ولا تركن الدول الكبرى الى الاكاذيب الكويتية وغيرها اذا ما ستدعم العراق لاسترجاع ما نهب منه.



