مقالات

التهاب المنطقة الإقليمية: “دبلوماسية المضائق” والاختبار المصري الصعب

​بقلم: أحمد عادل

باحث في الشؤون الجيوسياسية والإستراتيجية

​تنتقل الأزمة الإقليمية اليوم من مرحلة “تبادل الضربات” التقليدية إلى مرحلة أكثر تعقيداً هي “حرب الإرادات السياسية”؛ حيث وضعت طهران العالم أمام معادلة صفرية في مضيق هرمز، تتمثل في منح “الأمن المجاني” مقابل القطيعة الدبلوماسية مع واشنطن وتل أبيب. ويمثل هذا التطور تحدياً غير مسبوق للسياسة الخارجية المصرية، التي تجد نفسها عالقة بين مطرقة الالتزامات الدولية وسندان الضرورات الاقتصادية الملحة، مما يفرض عليها صياغة استجابة استثنائية لحماية مصالحها العليا.

​رفض “الابتزاز الملاحي”

​في ظل هذا الإعصار الجيوسياسي، يُتوقع أن تتحرك الدبلوماسية المصرية وفق استراتيجية توازن دقيقة تبدأ بالرفض الضمني لما يمكن تسميته بـ “الابتزاز الملاحي”. فمن المرجح أن تتمسك القاهرة بمبدأ حرية الملاحة الدولية وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، إدراكاً منها بأن قبول مبدأ مقايضة عبور السفن بمواقف دبلوماسية يمثل سابقة خطيرة قد تُستخدم مستقبلاً ضد قناة السويس. لذا، سيكون الرد المصري منصباً على أن أمن الممرات المائية هو مسؤولية دولية جماعية لا تخضع للمساومات الثنائية.

​البدائل الاستراتيجية: مصر “رئة” العالم

​كما ستسعى الدولة المصرية لمواجهة تداعيات شلل مضيق هرمز عبر تفعيل المسارات البديلة وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية للطاقة، وعلى رأسها خط أنابيب “سوميد” وشبكة الربط البري مع دول الخليج. يهدف هذا التحرك الاستراتيجي إلى تأمين تدفق النفط الخليجي إلى البحر الأحمر مباشرة ومنه إلى قناة السويس، لتجاوز “عنق الزجاجة” في هرمز، مما يحول مصر إلى رئة إضافية ومنفذ حيوي للاقتصاد العالمي في وقت الذروة للأزمة.

​الوساطة “الخشنة” والخطوط الحمراء

​وعلى الصعيد الدبلوماسي، ستتحرك القاهرة كـ “قوة عاقلة” من خلال وساطة خشنة تهدف لاحتواء التصعيد، مدفوعة بإدراكها أن استمرار إغلاق هرمز أو فرض شروط إيرانية عليه يعني تراجعاً حاداً في إيرادات القناة. وستعمل مصر على فتح قنوات اتصال خلفية لفك الارتباط بين ملف الملاحة وملف التمثيل الدبلوماسي، مع التأكيد الصارم على أن المساس بالسفراء يمثل خطاً أحمر يمس السيادة الوطنية للدول ولا يمكن تجاوزه.

​الأمن القومي العربي في الميزان

​أما فيما يخص التأثير الارتدادي على الأمن القومي، فإن نجاح إيران في فرض هذا الشرط -ولو جزئياً- سيعني إعادة تشكيل الخارطة الدبلوماسية للمنطقة بقوة السلاح، وهو ما تراه القاهرة تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي برمته. فمصر لن تسمح بتحويل الممرات المائية إلى أوراق ضغط سياسي، لأن ذلك يضعف من القيمة الاستراتيجية لقناة السويس ويجعلها عرضة لتجاذبات مشابهة في صراعات القوى الكبرى مستقبلاً.

​”كماشة” الطاقة وإعادة هيكلة الأسواق

​وعلى صعيد الطاقة، فإن هذا الالتهاب يضع أمن الإمدادات العالمي في مهب الريح؛ حيث إن التلويح بإغلاق مضيق هرمز وتوقف الصادرات الروسية إلى أوروبا يمثلان “كماشة طاقة” قد تدفع بالأسعار إلى مستويات قياسية. إن تحول سلاح الطاقة إلى وسيلة للمقايضة السياسية سيعجل من وتيرة إعادة هيكلة الأسواق، حيث ستبرز مصر كمركز إقليمي محوري لتسييل وتصدير الغاز وكممر بديل وأكثر أماناً للطاقة، مما يعزز قيمتها الاستراتيجية في مواجهة التقلبات الدولية.

​خاتمة: معركة مفاتيح البحار

​تلخيصاً لهذا المشهد، تعيش المنطقة حالة من “السيولة المرعبة”؛ فبينما تحاول واشنطن التنصل من تبعات بعض العمليات عبر اتهامات إعلامية، وتحاول طهران خنق الخناق الدبلوماسي عبر بوابة هرمز، تظل مصر هي الصخرة التي تحاول منع الانهيار الكامل للمنظومة الإقليمية. إن المعركة القادمة لم تعد تقتصر على الصواريخ، بل ستؤدي إلى صياغة “خارطة طريق” جديدة للارتباط بين الطاقة والأمن، حيث سيكون الفائز فيها هو من يمتلك القدرة على تأمين طرق الوصول والعبور في عالم باتت فيه ناقلات الغاز هي الوقود المحرك للسياسة الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى