مقالات

الدراما الرمضانية بين قدسية الشهر وإغراء السحر الأسود

بقلم نورا المرشدي

يأتي شهر رمضان محمّلاً بروحانية خاصة فهو شهر العبادة والسكينة وتصفيد الشياطين شهر يعلو فيه صوت القرآن وتُراجع فيه النفوس ذاتها. غير أن شاشة التلفاز في السنوات الأخيرة باتت تقدم مشهداً مغايراً؛ مسلسلات تعجّ بالسحر الأسود، وتستحضر الجن وتُضخّم حضور الشيطان حتى يكاد يبدو وكأنه يتجول بيننا بحرية مطلقة في أكثر الشهور قداسة.

هذا التناقض يثير تساؤلاً مشروعاً: كيف يتسق الحديث عن تصفيد الشياطين مع دراما تجعل من الشيطان بطلاً خفياً للأحداث؟ وكيف يتحول شهر الطمأنينة إلى موسم مكثف لقصص الدجل والشعوذة؟

لا أحد ينكر أن موضوع السحر والجن حاضر في التراث الشعبي وله جذوره في الثقافة الدينية والاجتماعية. لكن الإشكالية لا تكمن في أصل الفكرة بل في طريقة المعالجة. حين يُقدَّم السحر بوصفه قوة لا تُقهر ويتحوّل الدجال إلى شخصية ذات هيبة وتأثير فإن الرسالة الضمنية قد تكرّس الخرافة بدلاً من تفكيكها وتزرع الخوف بدلاً من تعزيز الوعي.

وقد أثارت بعض الأعمال مثل المداح جدلاً واسعاً بسبب اعتمادها المكثف على عوالم الجن والصراع الغيبي بين من يرى في ذلك طرحاً درامياً مشروعاً يستند إلى الموروث الشعبي وبين من يعتبره استثماراً لمشاعر الناس الدينية في موسم حساس حيث يكون المتلقي أكثر ميلاً للتأثر بالمحتوى الروحي والغيبي.

من جانب آخر يلحظ المشاهد تراجع مساحة البرامج الدينية التوجيهية والفكرية العميقة مقابل اتساع رقعة الأعمال القائمة على الإثارة والغموض. وكأن معادلة الموسم الرمضاني أصبحت تُدار بمنطق نسب المشاهدة وحدها، لا بمنطق الرسالة والمسؤولية الثقافية.

الفن مساحة حرة ولا يمكن إخضاعه لوصاية فكرية أو رقابة ذوقية متشددة. غير أن الحرية تقترن دائماً بالمسؤولية خاصة حين يتعلق الأمر بموسم له مكانته في وجدان المجتمع. فالتوازن مطلوب بين الإبداع الفني واحترام خصوصية الشهر وبين جذب المشاهد وعدم الانزلاق إلى تكريس الدجل والخرافة.

لسنا ضد الدراما ولا ضد استلهام التراث لكننا أمام حاجة ملحّة لإعادة ترتيب الأولويات. لماذا لا يُستثمر هذا الموسم أيضاً في أعمال اجتماعية هادفة تعالج قضايا الأسرةأو تُسلّط الضوء على قيم التكافل أو تُحيي في الناس روح التفاؤل والعمل؟ لماذا لا يكون رمضان موسماً لتعزيز الوعي لا لتغذية المخاوف؟

إن الدراما مرآة المجتمع لكنها أيضاً أداة لصناعة وعيه. وبين قدسية الشهر وإغراء الإثارة يبقى الخيار بيد صُنّاع المحتوى: إما أن تكون الشاشة امتداداً لروح رمضان أو أن تتحول إلى مساحة تُناقض معانيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى