مقالات

الدين العام السعودي.. حين يكون الاقتراض أداة قوة لا علامة ضعف

بقلم: مصطفى محمد القرشي

بعد تداول تقارير عن بحث السعودية الحصول على تمويل جديد قد يصل إلى ثمانية مليارات دولار، سارعت بعض الأقلام إلى قراءة الخبر باعتباره مؤشرًا على ضغوط مالية وبدايات أزمة محتملة.

لكن ما يصعب تفهمه هو تحول المخاوف لدى بعض المتابعين إلى أحكام متعجلة وتشكيك في متانة الاقتصاد السعودي، من دون قراءة الأرقام في سياقها الكلي، أو التمييز بين الدين المُدار ضمن استراتيجية مالية محكمة، والدين الذي يتحول إلى أزمة تعجز الدولة عن خدمتها.

فالدول لا تُقاس قوة اقتصاداتها بمجرد وجود الدين أو ارتفاع قيمته الاسمية، وإنما بحجمه نسبة إلى الناتج المحلي، وقدرتها على خدمته، وكلفة تمويله، وآجال استحقاقه، وتصنيفها الائتماني، وحجم أصولها واحتياطياتها، وقدرتها على الوصول إلى أسواق التمويل.

الرقم الكبير لا يعني أزمة كبيرة

بحسب أحدث بيانات المركز الوطني لإدارة الدين، بلغ إجمالي الدين العام السعودي في نهاية الربع الثاني من عام 2026 نحو 449.3 مليار دولار، منها قرابة 282.7 مليار دولار ديونًا محلية، ونحو 166.5 مليار دولار ديونًا خارجية.

أما نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهي من أهم المؤشرات عند تقييم استدامة الدين، فقد بلغت وفق أحدث بيانات المركز نحو 33.9%.

والرقم هنا يستحق القراءة، لا التهوين ولا التهويل.

فارتفاع نسبة الدين يتطلب المتابعة والإدارة الحذرة، لكنه لا يعني بذاته الدخول في أزمة، خصوصًا عندما يُقرأ إلى جانب قدرة الاقتصاد على النمو، وحجم الأصول والاحتياطيات، والتصنيف الائتماني، وقدرة الدولة على الوصول إلى أسواق التمويل.

فالحديث عن نحو 449 مليار دولار بمعزل عن حجم الاقتصاد يشبه قراءة رقم في ميزانية شركة دون النظر إلى أصولها وإيراداتها وتدفقاتها النقدية.

ولهذا لا تسأل المؤسسات المالية المحترفة فقط: كم يبلغ الدين؟ بل تسأل: كم يمثل من الناتج؟ وما تكلفة خدمته؟ وما آجاله؟ وما قدرة الاقتصاد على توليد الإيرادات مستقبلًا؟

إدارة الدين مقابل أزمة الدين

الدين السيادي أداة أساسية في إدارة المالية العامة الحديثة، وتستخدمه الاقتصادات الكبرى والمتقدمة والناشئة على السواء.

والسعودية لا تدير ملف الاقتراض كرد فعل آني، بل من خلال المركز الوطني لإدارة الدين، ضمن خطط سنوية واستراتيجية متوسطة المدى تستهدف تأمين الاحتياجات التمويلية، وإدارة المحفظة، وتنويع مصادر التمويل بين الأسواق المحلية والدولية، والاستفادة من أدوات متعددة تشمل السندات والصكوك والقروض وتمويل المشروعات والبنية التحتية.

وهنا يكمن الفرق الجوهري بين إدارة الدين وأزمة الدين.

إدارة الدين تعني التخطيط المسبق، واختيار الأسواق والتوقيتات، وتوزيع آجال الاستحقاق، والمفاضلة بين أدوات التمويل، وإدارة المخاطر والتكاليف.

أما أزمة الدين فتظهر عندما تتراجع القدرة على السداد، أو تضيق قدرة الدولة على الوصول إلى الأسواق، أو ترتفع تكلفة التمويل إلى مستويات غير مستدامة، أو تتدهور التصنيفات الائتمانية بصورة حادة.

والخلط بين الحالتين هو أصل جانب كبير من الضجيج المصاحب للحديث عن الدين السعودي.

ثمانية مليارات دولار.. ماذا تعني؟

التقارير التي تحدثت عن تمويل محتمل بنحو ثمانية مليارات دولار تناولت مباحثات بشأن قرض محتمل، والرقم في ذاته يمثل أقل من 2% من إجمالي الدين العام الحالي.

وحتى في حال إتمام التمويل بكامل المبلغ، فإن القضية الاقتصادية لا تُقرأ من قيمة القرض منفردة، وإنما من أثره على إجمالي المحفظة، وتكلفته، وآجاله، وأوجه استخدامه، وقدرة المالية العامة على خدمته.

والأهم أن الاقتراض خلال 2026 ليس قرارًا مفاجئًا؛ فخطة الاقتراض السنوية أعلنت مسبقًا عن احتياجات تمويلية تشمل تغطية العجز المتوقع وسداد أصل الدين المستحق، إلى جانب التوسع في أدوات التمويل الحكومي البديل وتمويل المشروعات والبنية التحتية.

أي أننا أمام سياسة تمويل معلنة ومدارة مؤسسيًا، لا أمام حدث طارئ فرض نفسه على اقتصاد فقد خياراته.

رؤية السعودية 2030.. الدين في سياق التحول الاقتصادي

وهنا تبرز النقطة التي تغيب عن كثير من القراءات المختزلة للدين العام.

فالسعودية لا تقترض في اقتصاد ساكن، وإنما في اقتصاد يعيش واحدة من أكبر عمليات التحول الهيكلي في تاريخه الحديث تحت مظلة رؤية السعودية 2030.

فالسنوات الماضية شهدت توسعًا في قطاعات السياحة والترفيه والخدمات اللوجستية والصناعة والتعدين والتقنية والطاقة المتجددة، إلى جانب مشروعات البنية التحتية والنقل والمطارات والموانئ والمدن والمشروعات الكبرى.

ولذلك لا يمكن قراءة سياسة الدين بمعزل عن هذه الدورة الاستثمارية.

فالتمويل هنا جزء من منظومة أوسع تستهدف بناء أصول وقدرات اقتصادية، وتعميق البنية التحتية، وتحسين بيئة الأعمال، وزيادة مساهمة القطاع الخاص، وتهيئة الاقتصاد لمصادر دخل أكثر تنوعًا واستدامة.

والأرقام تعكس جانبًا من هذا التحول؛ فقد ارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي إلى نحو 51% في 2025، مقارنة بنحو 44% عند خط الأساس للرؤية، فيما وصل الناتج الحقيقي غير النفطي إلى ما يعادل نحو 892 مليار دولار وفق مقياس تقرير صندوق النقد المرتبط بمؤشرات الرؤية.

هذه ليست مؤشرات اقتصاد ينتظر النفط وحده ليقرر مستقبله، وإنما اقتصاد يعيد بناء قاعدته الإنتاجية.

الاستثمار لا يأتي إلى اقتصاد بلا ثقة

ومن المهم كذلك النظر إلى الاستثمار الأجنبي باعتباره أحد المؤشرات التي تكمل صورة الاقتصاد.

فالاستثمار الدولي طويل الأجل لا يبحث فقط عن سوق كبيرة، بل يبحث عن استقرار تشريعي، وبنية تحتية، وفرص نمو، ووضوح في السياسات، وقدرة الاقتصاد على الاستمرار.

وقد وصلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في 2025 إلى ما يعادل نحو 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي، في الوقت الذي تستهدف فيه رؤية السعودية 2030 رفعها إلى 5.7%.

وهذا يعني أن الطريق لم يكتمل بعد، لكن الاتجاه واضح: السعودية تعمل على الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية إلى اقتصاد تصبح فيه الاستثمارات المحلية والأجنبية والقطاع الخاص والصادرات غير النفطية محركات أكثر أهمية للنمو.

المشاريع الكبرى ليست إنفاقًا معزولًا

ومن الخطأ كذلك قراءة المشروعات الكبرى باعتبارها مجرد مصروفات ضخمة منفصلة عن السياسة الاقتصادية.

فالمشروع الاقتصادي الحقيقي لا يُقاس فقط بما ينفق عليه اليوم، وإنما بما يخلقه غدًا من أصول وبنية تحتية وفرص استثمار ووظائف ونشاط للقطاع الخاص وقدرة إنتاجية.

ولهذا اتجهت السياسة الاقتصادية السعودية خلال المرحلة الحالية إلى إعادة ترتيب الأولويات ورفع كفاءة تخصيص رأس المال، بحيث تصبح المشروعات الأعلى أثرًا وجدوى أكثر أولوية، مع توسيع مشاركة القطاع الخاص وجذب رأس المال المحلي والأجنبي.

وهذا تطور مهم في مسار رؤية السعودية 2030؛ فالقضية لم تعد مجرد حجم ما يُنفق، وإنما جودة ما يُنفق عليه والعائد الاقتصادي منه.

الأسواق تقول كلمتها

وأتمت السعودية مؤخرًا إصدار صكوك دولية بقيمة 3.25 مليار دولار، لكن الرقم الأكثر دلالة كان حجم طلبات الاكتتاب التي بلغت نحو 16.5 مليار دولار؛ أي أكثر من خمسة أضعاف حجم الإصدار.

والمستثمر الذي يضع أمواله في أدوات دين سيادية لسنوات لا يتخذ قراره بناءً على منشور عابر، وإنما يدرس التصنيف الائتماني، والملاءة المالية، والمخاطر السيادية، والآفاق الاقتصادية، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

وتحافظ السعودية في 2026 على تصنيفات ائتمانية قوية عند Aa3 من Moody’s وA+ من Fitch وA+ من S&P.

وهذه مؤشرات مهمة؛ لأن الثقة الحقيقية لا تُقاس بما يقال عن الاقتصاد، وإنما بما تقوله المؤسسات والمستثمرون عندما يحين وقت وضع الأموال.

لماذا تقترض دولة تمتلك أصولًا وموارد؟

من المفاهيم الشائعة والخاطئة الاعتقاد أن الدولة القوية ماليًا لا تقترض إلا عند نفاد الأموال.

في الإدارة المالية الحديثة، قد يكون الاقتراض في بعض الظروف أكثر كفاءة من استنزاف السيولة والاحتياطيات أو تسييل أصول واستثمارات قادرة على تحقيق عوائد مستقبلية.

كما يسمح التمويل بتوزيع تكلفة الاستثمارات والمشروعات طويلة الأجل على سنوات متعددة بدل تحميل سنة مالية واحدة كامل تكلفتها.

فالاقتراض ليس غاية في ذاته، وإنما أداة ضمن مزيج أوسع من الإيرادات والاحتياطيات والأصول والاستثمارات والسياسة المالية.

والسؤال الصحيح ليس: هل اقترضت الدولة؟

بل: هل تكلفة الاقتراض مستدامة؟ وهل تدار المخاطر بكفاءة؟ وهل تُستخدم الموارد العامة بطريقة تعزز النمو والقدرة الاقتصادية المستقبلية؟

صندوق النقد: اقتصاد قوي الأساسيات

وليس الحديث عن متانة الاقتصاد السعودي مجرد تقييم محلي.

ففي أحدث مشاوراته لعام 2026، وصف صندوق النقد الدولي الاقتصاد السعودي بأنه دخل العام بزخم قوي، بعد نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 4.6% خلال 2025، مدعومًا بالنشاط غير النفطي والطلب المحلي.

كما أكد الصندوق أن الاقتصاد أظهر مرونة في مواجهة الاضطرابات الإقليمية، مستندًا إلى أساسيات اقتصادية كلية قوية، واحتياطيات مريحة، وقطاع مصرفي يتمتع بهوامش رأسمالية وسيولة قوية.

والأهم أن الصندوق ربط جانبًا من هذه المتانة بالإصلاحات التي تحققت تحت مظلة رؤية السعودية 2030، والتي أسهمت في تعزيز المؤسسات، وتوسيع دور القطاع الخاص، ودفع التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط.

وفي الوقت نفسه، دعا إلى استمرار الانضباط المالي والإصلاحات وضمان الاستدامة على المدى المتوسط.

وهذا تحديدًا هو التقييم المتوازن الذي يحتاج إليه النقاش: اقتصاد قوي ومرن، لكنه مطالب ـ كأي اقتصاد طموح ـ بمواصلة إدارة المخاطر والانضباط المالي.

نعم.. الدين يستحق المراقبة

والدفاع عن قوة الاقتصاد السعودي لا يعني القول إن ارتفاع الدين لا يستحق الاهتمام.

فالإدارة المالية الرشيدة تقتضي مراقبة نسبة الدين إلى الناتج، وتكاليف خدمته، وتأثير أسعار الفائدة العالمية، وحجم العجز، وآجال الاستحقاقات، ونسبة الدين الخارجي إلى المحلي، والعائد الاقتصادي والاجتماعي للإنفاق.

كما أن استمرار ارتفاع الدين بوتيرة تفوق نمو الاقتصاد لفترات طويلة أمر يستحق الدراسة والمراجعة في أي اقتصاد.

بل إن صندوق النقد الدولي نفسه، رغم تأكيده أن الدين السعودي مستدام وأن مخاطر الضغوط السيادية منخفضة، يشدد على أهمية استمرار الضبط المالي على المدى المتوسط.

وهذا هو الفرق بين التحليل الاقتصادي والتهويل: أن ترى نقاط القوة والمخاطر معًا، ثم تحكم من خلال الأرقام لا الانطباعات.

القوة ليست في غياب الدين.. بل في حسن إدارته

قوة الاقتصاد لا تعني أن تكون الدولة بلا دين، كما أن وجود الدين لا يعني أن الاقتصاد ضعيف.

القوة الحقيقية تكمن في القدرة على إدارة الالتزامات، والمحافظة على الثقة الائتمانية، وتنويع مصادر التمويل، واستمرار الاستثمار والنمو، وامتلاك المرونة اللازمة لمواجهة الصدمات.

وحين نضع الدين السعودي في الصورة الأكبر، نجد أمامه رؤية اقتصادية ممتدة إلى 2030، واقتصادًا غير نفطي يتوسع، وقطاعًا خاصًا تتزايد مساهمته، واستثمارات ومشروعات تعيد تشكيل البنية الاقتصادية، وأسواقًا دولية ما زالت تمنح الإصدارات السعودية ثقة قوية.

وهذا لا يلغي المخاطر، لكنه يضعها في حجمها الحقيقي.

فالدول لا تضعف لأنها تقترض؛ وإنما يبدأ الخطر عندما تعجز عن إدارة ما اقترضته، أو تفقد قدرتها على السداد، أو يصبح الدين أسرع نموًا من قدرتها الاقتصادية على تحمله دون أفق للعائد.

أما حين يكون الاقتراض جزءًا من استراتيجية تمويل واضحة، وتظل الدولة قادرة على الوصول إلى الأسواق، وتحافظ على تصنيفات ائتمانية قوية، وتعيد توجيه مواردها نحو اقتصاد أكثر تنوعًا وإنتاجية، فإننا لا نتحدث عن اقتصاد يبحث عن طوق نجاة، بل عن اقتصاد يستخدم أدوات التمويل لبناء مرحلة جديدة من النمو.

وهنا تحديدًا يجب أن يُقرأ الدين العام السعودي: ليس رقمًا منفصلًا عن رؤية السعودية 2030، بل جزءًا من معادلة أوسع توازن بين تمويل التحول اليوم، واستدامة المالية العامة غدًا، وبناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على المنافسة بعد النفط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى