مقالات

الذكاء الاصطناعي: تقنية تُرى… وتأثيرٌ لا يُرى


بقلم الاستاذ الدكتور /  علي عبد الصمد خضير

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مفهومٍ تقنيٍّ يتداول في أروقة المختبرات أو مراكز البرمجة المتخصصة، بل تحوّل إلى ظاهرة معرفية وتكنولوجية شاملة تتداخل مع تفاصيل الحياة اليومية للإنسان المعاصر، وتؤثر في أنماط تفكيره وقراراته وسلوكياته بطرائق قد تكون مرئية أحيانًا، لكنها في كثيرٍ من الأحيان تعمل في مستويات خفية لا يدركها المستخدم بصورة مباشرة. فالتطبيقات التي نتعامل معها، ومنصات التواصل التي نتصفحها، ومحركات البحث التي نعتمد عليها، وأنظمة التوصية التي تقترح علينا ما نقرأ أو نشاهد أو نشتري، جميعها تمثل الواجهة المرئية للذكاء الاصطناعي، بينما تقف خلفها منظومات خوارزمية معقدة تقوم بالتحليل والتصنيف والتنبؤ وصناعة القرار في صمتٍ رقميٍّ بالغ الدقة.

إن المرئي من الذكاء الاصطناعي يتمثل في الروبوتات، والمساعدات الصوتية، وأنظمة الترجمة الفورية، وبرمجيات تحليل النصوص والصور، فضلًا عن تطبيقاته في التعليم والطب والإعلام والصناعة، وهي تجليات محسوسة تُظهر حجم التطور التقني الذي بلغته البشرية. غير أن التأثير الأعمق لا يكمن في هذه المظاهر، بل في البُنى الخفية التي تعيد تشكيل الوعي الفردي والجمعي، من خلال توجيه تدفق المعلومات، وترتيب الأولويات المعرفية، وصياغة أنماط الاستهلاك الثقافي والفكري. فالخوارزميات، على سبيل المثال، لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تعيد هندسة ما ينبغي أن يُعرض أصلًا، وهو ما يمنحها سلطة معرفية غير مباشرة في تشكيل الرأي والذوق والاتجاه.

ومن هنا يبرز البعد غير المرئي للذكاء الاصطناعي بوصفه قوة ناعمة تعمل خلف الشاشات، تُحلل السلوك البشري، وتتنبأ بالاحتياجات، وتبني نماذج رقمية للإنسان قد تفوق في دقتها أحيانًا فهم الإنسان لذاته. فكل نقرة، وكل بحث، وكل تفاعل رقمي يتحول إلى بيانات تُغذّي أنظمة التعلم الآلي، لتنتج معرفةً جديدة تُستخدم لاحقًا في التوجيه أو الإقناع أو حتى التأثير الاقتصادي والسياسي. وهذا ما يجعل الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية، بل بنية تأثير عميقة تتجاوز حدود الاستخدام المباشر.

وفي المجال العلمي والأكاديمي، تتجلى هذه الثنائية بوضوح؛ إذ نرى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات، واكتشاف الأنماط البحثية، ودعم النشر العلمي، وتسهيل الوصول إلى المصادر، وهي مظاهر مرئية أسهمت في تسريع الإنتاج المعرفي. غير أن الأثر الخفي يتمثل في إعادة تعريف مهارات الباحث، وتغيير منهجيات التفكير العلمي، وفرض أنماط جديدة من التفاعل مع المعرفة، حيث لم يعد الباحث منتجًا منفردًا للمعرفة بقدر ما أصبح شريكًا مع الأنظمة الذكية في بنائها وتحليلها.

كما أن المؤسسات، على اختلاف طبيعتها، باتت تخضع لتأثيرات غير مرئية للذكاء الاصطناعي من خلال أنظمة اتخاذ القرار، وتحليل المخاطر، والتخطيط الاستراتيجي المبني على البيانات الضخمة، الأمر الذي أوجد تحولات عميقة في مفاهيم الإدارة والحوكمة والرقابة. فالقرار الذي يبدو بشريّ المصدر قد يكون في حقيقته نتاج توصيات خوارزمية معقدة، ما يطرح تساؤلات معرفية وأخلاقية حول حدود المسؤولية والشفافية.

إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في كون الذكاء الاصطناعي مرئيًا أو مخفيًا، بل في طبيعة العلاقة بين هذين البعدين؛ فكلما ازداد الحضور المرئي للتقنية، تعمّق تأثيرها الخفي. وكلما وثق الإنسان في كفاءة الأنظمة الذكية، اتسعت المساحات التي يمنحها لها في توجيه قراراته. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى وعيٍ رقميٍّ نقديٍّ يُدرك ما وراء الواجهة، ويفهم كيف تُصنع التوصيات، وكيف تُبنى النماذج، وكيف يمكن حماية الاستقلال المعرفي في عصر الخوارزميات.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يمثل اليوم بنية مزدوجة التأثير: وجهٌ تقنيٌّ ظاهر يختزل الكفاءة والسرعة والدقة، وعمقٌ خفيٌّ يعيد تشكيل أنماط المعرفة والسلطة والتأثير. والتحدي المستقبلي لا يتمثل في تطوير هذه الأنظمة فحسب، بل في بناء أطر تشريعية وأخلاقية ومعرفية تضمن توظيفها بصورة متوازنة، تحافظ على مركزية الإنسان بوصفه صانع المعنى، لا مجرد موضوع للتحليل.

وهكذا يبقى الذكاء الاصطناعي تقنية تُرى في أجهزتنا وشاشاتنا وتطبيقاتنا اليومية، لكنه في الوقت ذاته تأثيرٌ لا يُرى يعمل في طبقات أعمق من الوعي والسلوك وصناعة القرار، وهو ما يجعل فهمه لا يكتمل برصد مظاهره، بل يقتضي تفكيك آلياته الخفية واستشراف تحوّلاته القادمة في بنية المجتمع والمعرفة والإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى