السلام تحت الهيمنة الأميركية !!

د. احمد الاعرجي
منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي ، لعبت الولايات المتحدة دور “الراعي” لعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بدءاً من اتفاقية أوسلو 1993 مروراً بما سُمّي صفقة القرن 2020 وصولاً إلى ما يروّج له الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليوم من “اتفاق سلام جديد”
غير أن المتأمل في هذه المسارات يدرك أن الخيط الناظم بينها ليس السلام العادل بل الانحياز الأميركي الثابت لصالح إسرائيل ، وإن اختلفت الأساليب واللغة .
جاءت اتفاقية أوسلو في لحظة دولية حساسة بعد انتهاء الحرب الباردة فبدت كنافذة أمل لحلّ تدريجي قائم على مبدأ الأرض مقابل السلام .
اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل ، مقابل وعود غامضة بدولة فلسطينية مؤجلة.
غير أن الاتفاق ، رغم لغته الدبلوماسية ، حمل في جوهره خللاً بنيوياً ، إذ أُجّلَت قضايا القدس واللاجئين والحدود ، وكأنها قنابل موقوتة .
وكما يقول المثل السياسي: “تأجيل الأزمة لا يعني حلّها ، بل تهيئتها للانفجار” .
بعد أكثر من ربع قرن ، ظهرت صفقة القرن ، لا كاتفاق تفاوضي ، بل كإملاء سياسي .
هنا سقط القناع الدبلوماسي ، واعترفت واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل ، وشرعنت الاستيطان ، وطرحت كياناً فلسطينياً بلا سيادة حقيقية .
لم تكن الصفقة سوى ترجمة صريحة لمقولة: “القوي يكتب الشروط ، والضعيف يُطلب منه التوقيع” .
فانتقل الدور الأميركي من “وسيط منحاز” إلى شريك كامل في إعادة هندسة الصراع لصالح إسرائيل .
أما ما يطرحه ترامب اليوم من “اتفاق سلام جديد” ، فهو في جوهره امتداد للمسار نفسه ، مع إعادة تغليف لغوي .
تُستبدل كلمة “صفقة” بـ“اتفاق” دون تغيير في موازين القوى أو في مضمون الرؤية .
فالسيادة ما زالت منقوصة ، والأمن مُحتكر ، والحقوق التاريخية مُغيَّبة .
وهذا ينسجم مع قاعدة في العلاقات الدولية تقول: “السلام الذي لا يقوم على العدالة ليس إلا هدنة مؤقتة” .
إن المقارنة بين هذه المبادرات تكشف حقيقة واحدة: السياسة الأميركية لم تكن يوماً محايدة . تغيّر الرؤساء ، وتبدّلت الشعارات ، لكن البوصلة بقيت موجهة نحو إسرائيل .
وهنا يتجلى الغدر السياسي لا في الخطاب ، بل في الفعل ؛ فحين يكون الحكم هو الخصم ، يصبح السلام مجرد كلمة جميلة في بيان رسمي .
وفي النهاية ، لا يمكن لسلام يولد من ميزان مائل أن يصمد . فالتاريخ ، كما يقول الحكماء ، لا يرحم من يختصر الحق بالوقائع المفروضة ، ولا من يظن أن القوة تصنع شرعية دائمة



