مقالات

الطريق الى كربلاء: من صلح الحسن الى ثورة الحسين(2) مصر.. الولاية التي رجحت كفة معاوية

بقلم المهندس رسول العذاري

عندما يذكر المؤرخون الأسباب التي دفعت الحسن بن علي إلى الصلح مع معاوية، ينصرف الذهن غالباً إلى حالة الإرهاق التي أصابت أهل العراق بعد سنوات طويلة من الحروب، أو إلى الانقسامات السياسية التي ضربت معسكر علي بن أبي طالب بعد صفين والنهروان. ورغم أهمية هذه العوامل، فإن هناك حدثاً آخر لا يقل تأثيراً عنها، وربما كان من أكثر الأحداث التي غيّرت موازين القوى في العالم الإسلامي آنذاك، وهو خروج مصر من سلطة علي ودخولها تحت حكم معاوية قبل سنوات من استشهاد علي نفسه.فمصر في القرن الأول الهجري لم تكن ولاية عادية يمكن الاستغناء عنها أو تعويضها بسهولة، بل كانت واحدة من أغنى أقاليم الدولة الإسلامية وأكثرها سكاناً وأعظمها مورداً للخراج. وكانت تمثل مع العراق والشام أحد الأعمدة الرئيسية التي تستند إليها الدولة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.وعندما تولى علي بن أبي طالب الخلافة بقيت مصر في البداية ضمن سلطته، غير أن الصراع بينه وبين معاوية لم يكن يقتصر على ميادين القتال الكبرى، بل كان يمتد إلى مختلف أقاليم الدولة. وبينما كانت الأنظار تتجه إلى الجمل وصفين والنهروان، كانت معركة أخرى لا تقل أهمية تُخاض على أرض مصر.وفي سنة 38 للهجرة نجح معاوية، بمساندة عمرو بن العاص، في انتزاع مصر من سلطة علي بعد سلسلة من الأحداث انتهت بمقتل واليها محمد بن أبي بكر. ومنذ تلك اللحظة بدأ ميزان القوى يميل بصورة أوضح لمصلحة معاوية.فلم يعد حاكماً للشام وحدها، بل أصبح يسيطر على الشام ومصر معاً، أي على أكبر كتلتين سياسيتين واقتصاديتين في الدولة الإسلامية خارج العراق. أما علي فقد أصبح يعتمد بصورة رئيسية على العراق والأقاليم الشرقية، في وقت كانت الانقسامات الداخلية تتسع وتزداد تعقيداً.ومنطق التاريخ يكشف هنا حقيقة مهمة كثيراً ما تتكرر في مسار الأمم والدول. فالصراعات السياسية لا تُحسم دائماً بمن يمتلك الشرعية الأكبر، بل كثيراً ما تُحسم بمن يمتلك الموارد الأوسع والقدرة الأعلى على تنظيمها واستثمارها.فمصر لم تكن مجرد أرض انتقلت من طرف إلى آخر، بل كانت خزينة مالية ضخمة ومصدراً بشرياً مهماً وقاعدة استراتيجية تربط بين المشرق والمغرب. وعندما اجتمعت موارد مصر مع استقرار الشام تحت قيادة واحدة، بدأت تتشكل معادلة جديدة للقوة لم تكن موجودة في بداية الصراع.ومن هنا فإن سقوط مصر لا يمكن النظر إليه بوصفه خسارة إقليم فحسب، بل باعتباره تحولاً استراتيجياً أثّر في مستقبل الصراع كله. فبعد هذا الحدث لم يعد التنافس بين علي ومعاوية قائماً بين قوتين متقاربتين كما كان في السنوات الأولى، بل أصبح يميل تدريجياً لمصلحة الطرف الذي نجح في جمع أكبر الموارد وأكثرها استقراراً تحت سلطته.وقد يكون من المبالغة القول إن سقوط مصر حسم الصراع بصورة نهائية، إلا أنه بلا شك جعل موقف علي أكثر صعوبة، وجعل موقف الحسن بعده أكثر تعقيداً. فعندما بويع الحسن سنة 40 للهجرة كان معاوية يمتلك الشام ومصر بكل ما تمثلانه من قوة اقتصادية وعسكرية وبشرية، بينما كان العراق يخرج من سنوات طويلة من النزيف السياسي والعسكري.ومن هنا يصبح فهم صلح الحسن أكثر وضوحاً. فالأمر لم يكن مجرد قرار اتخذه رجلان في لحظة سياسية معينة، بل كان نتيجة مسار طويل من التحولات التي بدأت قبل ذلك بسنوات. وكانت مصر واحدة من أهم حلقات ذلك المسار.أما فلسفة التاريخ فتقودنا إلى ملاحظة أعمق. فالأحداث الكبرى كثيراً ما تجذب انتباه الناس، بينما تبقى التحولات التي صنعتها بعيدة عن دائرة الضوء. وعندما يتذكر الناس لاحقاً صلح الحسن أو واقعة كربلاء، فإنهم يتوقفون غالباً عند الشخصيات والقرارات النهائية، في حين تكون بعض أسباب تلك الأحداث قد تشكلت قبل ذلك بسنوات في أماكن لم تكن محط اهتمام كبير في حينها.ولعل مصر تمثل مثالاً واضحاً على هذه القاعدة. فبينما كانت الأنظار تتجه إلى صفين والنهروان وما رافقهما من أحداث صاخبة، كان تغير موازين القوى يجري بهدوء على ضفاف النيل. وعندما جاءت اللحظات الحاسمة، كانت نتائج ذلك التحول قد أصبحت جزءاً من الواقع السياسي الذي لا يمكن تجاوزه أو تجاهله.وهكذا يعلمنا التاريخ أن الأحداث العظيمة لا تبدأ يوم وقوعها، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة من خلال تراكمات قد تبدو صغيرة أو بعيدة عن مركز الاهتمام. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الطريق إلى كربلاء لم يمر عبر صفين وحدها، بل مر أيضاً عبر مصر، تلك الولاية التي أدى خروجها من سلطة علي إلى إعادة رسم ميزان القوى في العالم الإسلامي، وترجيح الكفة التي ستقود لاحقاً إلى صلح الحسن، ثم إلى التحولات الكبرى التي انتهت في أرض الطف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى