الطريق الى كربلاء: من صلح الحسن الى ثورة الحسين (6)

الفصل السادس: هل التزم معاوية بشروط الصلح؟ بين الروايات المتعارضة والوقائع التاريخية
بقلم المهندس رسول العذاري
عندما وقّع الحسن بن علي صلحه مع معاوية سنة 41 للهجرة، لم يكن ذلك مجرد اتفاق بين شخصين متنافسين على السلطة، بل كان محاولة لإغلاق صفحة دامية من الصراع الداخلي الذي أنهك الدولة الإسلامية طوال سنوات.
وقد نجح الصلح في تحقيق هدفه المباشر، إذ توقفت الحرب بين العراق والشام، واجتمعت الدولة الإسلامية تحت سلطة واحدة بعد سنوات من الانقسام. لكن نجاح الصلح في إيقاف الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء الجدل حول نتائجه أو حول مدى الالتزام بشروطه.
وهنا يبرز سؤال جوهري:
هل التزم معاوية بالاتفاق الذي أنهى الصراع مع الحسن؟
منذ البداية ينبغي الاعتراف بأن المصادر التاريخية تختلف في تفاصيل بعض بنود الصلح، وأن النص الكامل للوثيقة لم يصل إلينا بصورة قطعية لا يختلف عليها المؤرخون. لكن هذا لا يعني أن الباحث يقف عاجزاً عن الوصول إلى نتائج معقولة، فالتاريخ لا يُقرأ من خلال وثيقة واحدة فقط، بل من خلال مسار الأحداث اللاحقة أيضاً.
فعندما ننظر إلى ما جرى بعد الصلح، نجد أنفسنا أمام مجموعة من الوقائع التي يصعب تجاهلها.
أولى هذه الوقائع هي طريقة تعامل الدولة الأموية مع بعض الشخصيات المعروفة بولائها لعلي بن أبي طالب.
ومن أشهر تلك الحوادث مقتل حجر بن عدي الكندي. لم يكن حجر شخصية عادية في المجتمع الإسلامي، بل كان من الصحابة المعروفين ومن أبرز أنصار علي. وقد أثار قتله استياءً واسعاً حتى بين شخصيات لا تُعرف بعدائها لمعاوية.
وتكمن أهمية هذه الحادثة في أنها تعكس طبيعة المناخ السياسي الذي بدأ يتشكل بعد استقرار الحكم. فبدلاً من أن يؤدي الصلح إلى إنهاء الانقسام الداخلي بصورة كاملة، بقيت حالة التوتر قائمة بين السلطة ومعارضيها.
أما القضية الثانية فهي ظاهرة سبّ علي بن أبي طالب على المنابر.
ورغم اختلاف الروايات في بعض التفاصيل، فإن وجود هذه الظاهرة في مرحلة من مراحل الحكم الأموي أصبح من الحقائق التي يصعب إنكارها تاريخياً بسبب ورودها في عدد كبير من المصادر الإسلامية المختلفة.
والسؤال هنا ليس مذهبياً بل تاريخي بحت:
كيف يمكن أن تتحول شخصية بحجم علي بن أبي طالب، وهو أحد أبرز رموز الإسلام الأوائل، إلى هدف لخطاب سياسي رسمي؟
مهما اختلفت التفسيرات، فإن هذه السياسة ساهمت في تعميق الانقسام داخل المجتمع الإسلامي، وأبقت آثار الحرب الأهلية حاضرة في الوعي العام بدلاً من تجاوزها.
لكن الحدث الأخطر لم يكن مقتل حجر بن عدي، ولا سياسة سبّ علي، بل ما وقع في السنوات الأخيرة من حكم معاوية.
فمنذ الصلح كان أحد أهم الأسئلة المطروحة يتعلق بمستقبل الحكم بعد وفاة معاوية.
هل ستعود الأمة لاختيار خليفتها كما جرى من قبل؟
أم ستنشأ صيغة جديدة لانتقال السلطة؟
هنا نصل إلى النقطة التي يراها كثير من الباحثين مفصلية في تاريخ الإسلام السياسي.
فقد عمل معاوية على أخذ البيعة لابنه يزيد في حياته، وبذلك أصبح انتقال السلطة يجري داخل البيت الأموي للمرة الأولى بصورة منظمة وواضحة.
قد يختلف المؤرخون في بعض تفاصيل شروط الصلح، لكنهم لا يختلفون على أن مشروع ولاية العهد ليزيد شكّل تحولاً جذرياً في بنية الحكم.
لقد انتقلت الدولة الإسلامية من نموذج كان يقوم ـ نظرياً على الأقل ـ على نوع من الاختيار أو الشورى أو التوافق بين القوى المؤثرة في المجتمع، إلى نموذج أقرب إلى الوراثة السياسية.
ولهذا لم يكن الاعتراض على يزيد مقتصراً على أتباع أهل البيت.
فقد أبدت شخصيات بارزة من أبناء الصحابة تحفظات أو اعتراضات بدرجات مختلفة على هذا التحول، لأن القضية لم تعد مرتبطة بشخص يزيد وحده، بل بطبيعة النظام السياسي الذي سيحكم المسلمين مستقبلاً.
ومن هنا يبدو أن الصلح الذي أبرمه الحسن حقق السلام مؤقتاً، لكنه لم ينجح في حل الإشكالات العميقة التي كانت تعيشها الأمة.
بل إن بعض التطورات اللاحقة دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأن جزءاً مهماً من الروح التي قام عليها الاتفاق قد تآكل مع مرور الزمن.
واللافت أن الحسن نفسه لم يعش طويلاً بعد هذه الأحداث، فتوفي سنة 50 للهجرة، بينما استمر الحسين يراقب المشهد السياسي قرابة عشر سنوات أخرى.
وخلال تلك السنوات لم يرفع الحسين السلاح ضد معاوية، رغم كل ما كان يجري.
وهذه الحقيقة بالذات تستحق التوقف عندها.
فإذا كان الحسين معترضاً على بعض سياسات معاوية، فلماذا لم يخرج عليه؟
وإذا كان قد قبل الاستمرار في الصلح طوال حياة معاوية، فما الذي تغير بعد وفاته حتى أصبح مستعداً لمواجهة السلطة ولو أدى ذلك إلى الموت؟


