أخبار دولية

الطفل .. الضحية الصامتة للنزاعات القضائية بين الوالدين

علاء حمدي

في إطار الجهود الرامية إلى تطوير منظومة الأحوال الشخصية بما يحقق العدالة الأسرية ويحمي حقوق الطفل، نظمت د.امال ابراهيم  رئيس مجلس الأسرة العربية للتنمية، أحد مجالس الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة،د اشرف عبد العزيز الأمين العام وتحت رعاية جامعة سيناء الملتقى الثاني عشر تحت عنوان “قانون الأحوال الشخصية وحماية حقوق الطفل.. رؤية مستقبلية نحو تشريع أكثر عدالة للأسرة”، بمشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين في القانون وعلم النفس والاجتماع والإعلام، لبحث آليات تطوير التشريعات الأسرية بما يواكب المتغيرات المجتمعية، ويضع مصلحة الطفل الفضلى في صدارة الأولويات.

وضمن فعاليات الملتقى، شارك أ.د. محمد سعد حامد، رئيس قسم الصحة النفسية والإرشاد النفسي بجامعة عين شمس، بورقة علمية بعنوان “أثر النزاعات القضائية الممتدة على الصحة النفسية للطفل”، تناول خلالها التأثيرات النفسية بعيدة المدى التي تتركها النزاعات القضائية بين الوالدين على الأبناء، مؤكدًا أن الطفل يظل الطرف الأكثر تأثرًا رغم أنه لا يقف أمام القاضي ولا يملك حق الدفاع عن نفسه.

وفي الوقت الذي تنشغل فيه الأسرة بأروقة المحاكم وجلسات التقاضي، يبقى الطفل الطرف الأكثر تأثرًا، فكل تأجيل لجلسة، وكل نزاع يمتد لأشهر أو سنوات، يترك أثرًا نفسيًا عميقًا قد يلازم الطفل حتى مرحلة الرشد.

وأوضح أن الطفل لا يعيش النزاع بوصفه قضية قانونية، بل يعيشه كحالة يومية من القلق وعدم الاستقرار، فمع طول أمد التقاضي يتحول الخلاف بين الوالدين من نزاع خارجي إلى صراع نفسي داخلي ينعكس على شخصية الطفل وسلوكه ومستقبله.

وأشار إلى أن النزاعات الممتدة حول الحضانة أو الرؤية أو النفقة لا تقتصر آثارها على الإجراءات القانونية، وإنما تمتد لتؤثر في الصحة النفسية للطفل، خاصة عندما يتحول إلى وسيلة ضغط أو رسالة متبادلة بين الوالدين، بدلاً من أن يكون محور الحماية والرعاية.

وبيّن أن أبرز الآثار النفسية التي يعاني منها الأطفال في مثل هذه الظروف تتمثل في القلق المزمن، واضطرابات النوم، وتراجع المستوى الدراسي، وانخفاض تقدير الذات، والسلوك العدواني أو الانسحابي، إضافة إلى الشعور بالذنب واهتزاز الإحساس بالأمان الأسري.

وتوقف عند ظاهرة “الولاء المتقسم”، وهي من أخطر المشكلات النفسية التي قد يتعرض لها الطفل، حيث يشعر بأنه مضطر لاختيار أحد والديه أو إخفاء مشاعره تجاه أحدهما خوفًا من فقدان الآخر، فيعيش حالة مستمرة من الصراع الداخلي تستنزف استقراره النفسي.

كما أوضح أن تأثير النزاع يختلف باختلاف المرحلة العمرية؛ فالرضيع قد يعاني اضطراب التعلق، بينما يشعر طفل ما قبل المدرسة بالذنب، ويظهر لدى الأطفال الأكبر انقسام واضح في الولاء وتراجع دراسي، أما المراهق فقد يتجه إلى العزلة أو رفض أحد الوالدين.

وأكد أن الدراسات النفسية، وفي مقدمتها نظرية الارتباط الآمن، تشير إلى أن استمرار العلاقة الصحية مع كلا الوالدين يمثل ضرورة نفسية لنمو الطفل السليم، وأن فقدان هذا التوازن قد ينعكس مستقبلًا في صورة صعوبات في الثقة بالآخرين، أو اضطرابات القلق والاكتئاب، أو تكرار أنماط الصراع داخل أسرته عندما يكبر.

ودعا إلى تطوير المنظومة القضائية بما يضع الصحة النفسية للطفل في مقدمة الاعتبارات، من خلال تقليص مدة التقاضي في قضايا الحضانة والرؤية، وإلزامية الاستعانة بالتقييم النفسي المتخصص، وتفعيل الوساطة الأسرية قبل اللجوء إلى القضاء، مع تدريب القضاة والمستشارين على فهم الأبعاد النفسية للنزاعات الأسرية.

كما وجّه رسالة مباشرة للوالدين، مؤكدًا أهمية الفصل بين الخلاف الزوجي والدور الوالدي، وعدم إشراك الطفل في تفاصيل النزاع، والحفاظ على علاقته الطبيعية بكل من الأب والأم، مع سرعة طلب المساندة النفسية إذا ظهرت مؤشرات الضغط أو الاضطراب على الطفل.

واختتم بالتأكيد على أن أي تشريع يسعى إلى تحقيق العدالة الأسرية يجب أن يجعل “المصلحة النفسية الفضلى للطفل” معيارًا أساسيًا في جميع القرارات، لأن الطفل ليس مجرد شاهد على النزاع، بل هو أكثر من يدفع ثمنه، وأن حماية صحته النفسية تمثل استثمارًا حقيقيًا في استقرار الأسرة والمجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى