الفريق عبد الغني الاسدي: بين القيادة والاقصاء .

كتبه :جعفر حيدر
يُعدّ الفريق الركن عبد الغني جبر الأسدي واحدًا من أبرز القادة العسكريين في العراق بعد عام 2003، وهو اسم التصق بمرحلة حسّاسة من تاريخ الدولة العراقية التي شهدت فيها البلاد أخطر تنظيم إرهابي في العصر الحديث، إذ برز الأسدي كقائد ميداني وطني يمتلك انضباطًا عسكريًا واضحًا وشخصية هادئة بعيدة عن الصراع السياسي، من مواليد محافظة ميسان عام 1951 وتخرّج من الكلية العسكرية العراقية ليخوض مسيرة طويلة داخل المؤسسة العسكرية قبل أن يصل إلى منصب قائد جهاز مكافحة الإرهاب، الجهاز الذي ارتبط في ذهنية العراقيين بالاحتراف والولاء الوطني وبالمعارك التي وُصِفت بأنها الأشد ضراوة في مواجهة داعش، حيث قاد الأسدي عمليات التحرير في الرمادي والفلوجة وبيجي والموصل، وكان حضوره في الخطوط الأمامية محل تقدير من الجنود ومن المواطنين على حدّ سواء، إذ انتشرت صورته وهو يتقدّم القوات في الأزقّة الضيقة ووسط التفجيرات، ما جعله رمزًا للشجاعة الهادئة التي لا تبحث عن ضوء الإعلام. وبعد انتهاء المعارك الكبرى ضد تنظيم داعش في 2017 بدأت الحكومة العراقية بإجراء سلسلة تغييرات في المناصب الأمنية العليا، وفي ذلك الوقت صدر أمر ديواني يقضي بإحالته إلى التقاعد بدعوى وصوله إلى السن القانونية للخدمة العسكرية، إلا أن أغلب المتابعين للشأن الأمني اعتبروا أن الإبعاد كان ذا بعد سياسي أكثر مما هو إداري أو قانوني، خصوصًا أن جهاز مكافحة الإرهاب ظل طوال سنوات بعيدًا نسبيًا عن تأثير الأحزاب، ما دفع بعض القوى السياسية للضغط من أجل تغيير قياداته ووضع شخصيات أكثر قربًا من مصالحها، وبذلك جاءت إحالة الأسدي كجزء من ترتيبات داخلية أعقبت مرحلة التحرير، ولأن الرجل لم يكن جزءًا من حراك سياسي أو من شبكة تحالفات حزبية، فقد كان إبعاده أسهل من غيره رغم رصيده الشعبي الكبير. واستمر الجدل بعد ذلك لسنوات، إذ طالبت أوساط شعبية وبرلمانية بعودته إلى منصبه لما يمثله من رمز للانضباط الوطني، غير أن تلك المطالب لم تُترجم إلى قرار رسمي، ليبقى خارج الجهاز حتى بعد تغيّر الحكومات، ثم جرى تكليفه لاحقًا بمنصب مدني هو رئاسة هيئة المنافذ الحدودية عام 2020 في محاولة للاستفادة من خبرته الإدارية والانضباطية، إلا أنه لم يعد إلى ميدان القيادة العسكرية الذي اشتهر فيه. وبهذا يمكن القول إن عملية إقصاء عبد الغني الأسدي لم تكن إقالة مباشرة بقدر ما كانت خطوة محسوبة في سياق إعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسات الأمنية بعد انتهاء الحرب على داعش، وقد جاءت في توقيت كانت فيه القوى السياسية تتسابق لإثبات حضورها داخل الأجهزة الحساسة، ما جعل قائدًا بحجم الأسدي يدفع ثمن استقلاليته وابتعاده عن التحزّب، بينما ظل اسمه حاضرًا في الذاكرة العامة بوصفه أحد الذين حملوا عبء تحرير المدن العراقية وقدموا نموذجًا لقائد لا يرفع صوته ولا يلوّح بانتماء إلا للبلد الذي قاتل من أجله.



