مقالات

الفساد في مرمى الدولة… هل تنجح حكومة الزيدي في كسر المحظورات؟

دلير إبراهيم – اربيل


حملة الزيدي ضد الفساد… بين اختبار الدولة وحسابات السياسة
تشكل حملة مكافحة الفساد التي يقودها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي حالیاً واحدة من أكثر الملفات حساسية وتعقيدا في المشهد العراقي المعاصر، ليس فقط بسبب حجم الأموال والممتلكات التي أعلنت السلطات ضبطها، وإنما لأنها تمس مراكز نفوذ سياسية واقتصادية ظلت لسنوات بعيدة عن المساءلة.
إذا صحت المعلومات المتداولة بشأن اعتقال مسؤولين كبار، ومصادرة مئات المليارات من الدنانير، وعقارات وشركات مرتبطة بشبهات فساد وغسل أموال، فإن العراق يقف أمام فرصة حقيقية لاستعادة هيبة الدولة وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات القضائية والأمنية، وهي الثقة التي تراجعت كثيراً خلال العقود الماضية بسبب تكرار ملفات الفساد دون الوصول إلى نتائج حاسمة.
لكن مكافحة الفساد في العراق لم تكن يوماً مجرد قضية قانونية، بل ارتبطت دائماً بتوازنات سياسية معقدة. ولهذا فإن نجاح أي حملة يتوقف على قدرتها على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء أو انتقائية، بعيداً عن تصفية الحسابات أو استهداف خصوم سياسيين دون غيرهم.
وتشير التقارير إلى وجود تباين داخل القوى السياسية بشأن توسيع نطاق الحملة، وهو أمر يعكس حجم التعقيدات التي تواجه الحكومة. فكلما اقتربت التحقيقات من شخصيات نافذة أو جهات تمتلك نفوذاً سياسياً واقتصادياً، ازدادت احتمالات الضغوط ومحاولات احتواء الملف أو الحد من توسعه.
وفي المقابل، فإن الدعم الذي أعلنته قوى سياسية مختلفة، إلى جانب إسناد السلطة القضائية، يمنح الحكومة مساحة أكبر للاستمرار، شريطة أن تبقى الإجراءات مستندة إلى الأدلة القانونية والقرارات القضائية، وأن تكون حقوق المتهمين مكفولة وفق الدستور والقانون.
كما أن الحديث عن تتبع الأموال المهربة والتنسيق مع دول أخرى لاستعادتها يفتح باباً مهماً أمام معالجة أحد أخطر جوانب الفساد، فاسترداد الأموال العامة لا يقل أهمية عن محاسبة المتورطين، بل يعد مؤشراً عملياً على نجاح جهود الإصلاح.
ومن جهة أخرى، فإن أي توجه لتجميد أنشطة شركات يشتبه باستغلالها كواجهات اقتصادية يجب أن يتم وفق إجراءات قانونية واضحة، لأن حماية الاقتصاد والاستثمار تتطلب الفصل بين الشركات المخالفة وتلك التي تمارس أعمالها بصورة مشروعة.
وفي النهاية، تبقى حملة مكافحة الفساد اختباراً حقيقياً للدولة العراقية. فإذا استمرت وفق معايير العدالة والشفافية، بعيداً عن الضغوط والتسويات السياسية، فإنها قد تؤسس لمرحلة جديدة من ترسيخ دولة القانون. أما إذا توقفت عند حدود معينة أو خضعت للمساومات، فإنها ستنضم إلى سلسلة طويلة من الحملات التي بدأت بقوة وانتهت دون أن تحقق التغيير المنشود.
إن العراقيين اليوم لا ينتظرون مجرد الإعلان عن اعتقالات أو مصادرات، بل ينتظرون بناء منظومة مؤسساتية تجعل مكافحة الفساد سياسة دائمة، لا حملة مؤقتة، وتضمن أن يكون القانون هو المرجعية الوحيدة في محاسبة كل من يثبت تورطه، أياً كان موقعه أو انتماؤه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى