القرآن والعلم… بين الهداية والاكتشاف(1)

بقلم/ المهندس رسول العذاري
هل القرآن كتاب علوم؟
كثيرًا ما نسمع من يقول إن القرآن الكريم يحتوي على جميع العلوم؛ ففيه الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء وغيرها. وفي المقابل، هناك من ينكر أي علاقة بين القرآن والعلم الحديث.
وفي رأيي، كلا الموقفين يحتاج إلى مراجعة.
فالقرآن لم ينزل ليكون كتابًا في الطب أو الهندسة أو الفيزياء، وإنما نزل لهداية الإنسان، وإقامة منظومة من القيم والأخلاق، وربط الإنسان بخالقه، وبيان الغاية من وجوده في هذه الحياة.
ولو كان القرآن كتابًا لتعليم العلوم، لما احتاج الطبيب إلى كلية الطب، ولا المهندس إلى دراسة الهندسة، ولا الفيزيائي إلى المختبر، ولا الفلكي إلى المرصد. لقد جعل الله لكل علم طريقه، والعلوم لا تُكتسب إلا بالبحث والتجربة والدراسة.
وهذا لا يعني أن القرآن يخلو من الإشارات العلمية، بل على العكس، فهو يدعو الإنسان إلى النظر في نفسه وفي الكون من حوله، ويحثه على التفكير والتأمل واكتشاف سنن الله في خلقه. لكن هناك فرقا كبيرا بين الإشارة إلى حقيقة كونية، وبين شرحها شرحًا علميًا.
فالقرآن ليس كتابًا جامعيا، بل كتاب هداية. أما العلوم فهي مسؤولية العقل البشري الذي كرّمه الله، وأمره بالسير في الأرض والنظر في آفاق الكون.
وعندما يكتشف العلماء حقيقة علمية، ثم يجد المؤمن أن القرآن أشار إليها بإيجاز ودقة قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، فإن ذلك يزيده إيمانًا بعظمة هذا الكتاب. لكن هذا لا يعني أن العلماء استخرجوا اكتشافهم من القرآن، وإنما توصلوا إليه بالعلم، ثم جاءت الإشارة القرآنية لتفتح بابًا جديدًا للتأمل.
إن تعظيم القرآن لا يكون بجعله موسوعة لكل العلوم، بل بفهم رسالته كما أرادها الله: كتابًا يهدي الإنسان، ويوقظ عقله، ويدفعه إلى طلب العلم لا ان يغنيه عنه



