مقالات

“المحليات”.. طوق النجاة

بقلم د قياتي عاشور

في علم الاجتماع السياسي، تُقاس قوة أي دولة بقدرتها على خلق “حلقات وصل” قوية بين المواطن في الشارع وبين الحكومة في العاصمة. ومن هنا، فإن المطالبة بسرعة إجراء انتخابات المجالس المحلية ليست ترفاً، ولا مجرد كلام نظري، بل هي في الحقيقة بحث عن “طوق نجاة” يخفف الأحمال الثقيلة جداً عن كاهل الحكومة والبرلمان معاً.

نحن نعيش حالياً مشكلة يلمسها الجميع، وهي أن عضو مجلس النواب -بسبب غياب المجالس المحلية- وجد نفسه مضطراً لترك دوره الأساسي كـ “مُشرع” يراقب القوانين، وتحول إلى “مُعقّب خدمات” يجرى بين الوزارات لإنهاء طلبات رصف طريق، أو حل مشكلة صرف صحي، أو توفير وظيفة. هذا الوضع جعل النائب “غارقاً” في التفاصيل الخدمية الصغيرة، مما أثر على قدرة البرلمان على مساندة الدولة في القضايا الكبرى.

ومن زاوية اجتماعية، خلق غياب المحليات فجوة بين الناس والحكومة. فالمواطن البسيط الذي يعاني من مشكلة في قريته ولا يجد “عضو مجلس محلي” يشكو له ويحاسبه، يوجه غضبه فوراً إلى “الحكومة المركزية” والوزراء. هنا، تتحول المشكلة الإدارية البسيطة إلى “حالة ضيق عام”. لذلك، فإن وجود جيش من الكوادر الشعبية المنتخبة (يقدر بنحو 52 ألف عضو) سيعمل كـ “مصفاة” للمشاكل؛ يحلون القضايا اليومية في مهدها، ولا يصل منها إلى مكاتب الوزراء إلا القليل والمهم.

إننا في مرحلة بناء وتنمية شاملة، والحكومة تحتاج إلى “عيون ساهرة” تساعدها في الشارع. والمجالس المحلية هي تلك العيون؛ هي التي تضمن أن الخدمات تصل للناس كما خططت لها الحكومة، وهي التي تمنع أي فساد صغير في الأحياء قد يضيع مجهود الدولة.

خلاصة القول، إن عودة المحليات هي أكبر دعم يمكن تقديمه للجبهة الداخلية وللحكومة نفسها. نحن بحاجة إلى إعادة توزيع الأدوار: نواب يتفرغون للتشريع، ومحليات تتفرغ للخدمات ومراقبة الشارع. هذا التكامل هو الضمانة الوحيدة لكي يشعر المواطن بثمار التنمية، ولكي تتفرغ الحكومة للملفات الاستراتيجية بدلاً من الغرق في تفاصيل المحليات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى