المستقبل بين الرؤية والحيرة

بقلم / رياض الفرطوسي
المستقبل، بطبيعته، غامض، مخيف، ومليء بالاحتمالات التي لا يقدر عليها إلا القليل من الناس. ومن هذا الغموض يولد الخوف، ومن هذا الخوف تتشكل الحيرة. نحن اليوم ندفع ثمن غياب الاستشراف في الماضي؛ ثمنه يظهر في مدارس مغلقة، مشاريع متعثرة، قرارات مجتمعية مضللة. لو كنا قبل عقد أو عقدين قد استشرفنا المستقبل، لدُرست احتمالاته، ولتجنّبنا الكثير من المشاكل التي نعانيها اليوم، ولأصبح الحاضر أقل رهبة، وأكثر وضوحاً.
علماء الاستشراف يعلمون أن المستقبل لا يمكن التنبؤ به بدقة، لكنه يمكن دراسته عبر سيناريوهات احتمالية، عبر محركات التغيير، عبر تحليل القوى المؤثرة في الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فالمستقبل ليس وقائع مكتوبة، بل مسارات محتملة، وقرار اليوم هو حجر الأساس لبناء غد أفضل. وغياب الرؤية الواضحة هو سبب حقيقي للضياع الشخصي والاجتماعي، بل وللاكتئاب، كما يؤكد علم النفس: الإنسان بلا رؤية واضحة للمستقبل يضيع، ويشعر بعدم القدرة على التقدم.
وهنا يتجلى صراع الحاضر والمستقبل: الأمس، الذي لم نستشرفه جيداً، يتركنا اليوم نواجه حيرة كبيرة. مثال بسيط: سياسات التوظيف الحديثة التي لم تعد تركز على الشهادة، بل على الكفاءة الفعلية. هذه التحولات تجعل الأسر تتساءل: لماذا نستثمر سنوات من حياتنا في تحصيل شهادة لم تعد تضمن المستقبل؟ هل نستثمر في الكفاءة؟ هذا مسار محفوف بالمخاطر، لكنه أيضاً دعوة للتفكير بمرونة واستشراف المستقبل بحكمة.
وإذا أمعنا النظر، سنجد أن غموض المستقبل يتضاعف حين نضيف خصوصيات حاضرنا المعقد: قرارات مفاجئة، تحولات اقتصادية وسياسية، ابتكارات تكنولوجية غير متوقعة، مثل ظهور الذكاء الاصطناعي أو ثورة الهاتف الذكي. هذه الأحداث تغيّر كل المعايير، وتثبت أن الاستشراف وحده لا يمنع المفاجآت، لكنه يزودنا بأدوات لفهم الاحتمالات، وتخفيف الأخطاء، وبناء مسارات بديلة.
إدارة المستقبل ليست منفصلة عن الإدارة اليوم. الإدارة تشمل التخطيط، التنظيم، التوجيه، الابتكار، الاتصال، الرقابة، والمتابعة، والقيادة جزء أساسي منها، ولكنها تتطلب رؤية واضحة وبراعة في الحوكمة، وإدارة التغيير، واستشراف التحولات الكبرى. القائد الحقيقي لا يبحث عن السلطة، بل عن القدرة على تحويل المعرفة إلى فعل، وعلى تقديم استراتيجيات تقلل الأخطاء وتفتح آفاقاً للمستقبل، بعيداً عن الحيرة واليأس.
المثقف كذلك، ليس مجرد ناقل للأحداث أو مترجم للماضي، بل هو من يصنع أدوات الاستشراف، ويقرأ الحاضر بعين الغد، ويضع أمام المجتمع سيناريوهات احتمالية، ويثير الوعي بما يمكن أن يحدث. الثقافة هنا ليست تكراراً للمعرفة، بل إنتاج معرفة جديدة، وتوليد رؤية، وتوسيع آفاق التفكير، لأن غياب الرؤية اليوم يعني خوفًا من المستقبل، وحيرة في اتخاذ القرارات، وعجزاً عن بناء حياة أفضل للأجيال القادمة.
في النهاية، المستقبل مخيف بطبيعته، لكنه يصبح أقل رهبة عندما نمنحه أدوات الاستشراف، ونواجهه برؤية واضحة، ونصنع منه فرصاً بدلاً من أن يكون مجرد مصدر للقلق والخوف. ومن يدرك هذا، يكون قد بدأ أولى خطواته في صناعة غدٍ أكثر وضوحاً، وأكثر حكمة، وأكثر أماناً.


