المعارضات العربية أكثر استبدادا من الأنظمة

كتبت د ليلي الهمامي
لا يزال الفكر السياسي العربي يتأرجح بين القبول بما هو قائم وموجود، وبين التأسيس لما يجب أن يكون… وبقطع النظر عن تهويمات الفكر المتسيّب، وبقطع النظر عن الطوباويات والنظريات الحالمة، نقول بأن الإشكال أو المشكلة أو العقدة الراهنة وهي مزمنة في الواقع العربي، تتعلق بنظام الحكم في علاقته بالمعارضة: علاقة إشكالية. وما هو أشد اشكالا وإلغازا في هذا، هو طبيعة الأنظمة في علاقة باستحقاق الديمقراطية وحقوق الانسان والمجتمع المفتوح.
الأنظمة لدينا في العالم العربي، دون مواربة، ودون الاغراق في التعابير الجوفاء، هي أنظمة مستبدة، متشبثة بالحكم، تعتبر أن المجال العام، وأن كل ما له علاقة بالحكم والسلطة، هو تقريبا جزء من تراثها العائلي ، أو الشخصي… تركة، تتصرف فيها إما من منطلق شخصي أو من منطلق حزبي.
أحزاب حاكمة جاثمة على الصدور منذ ما يقارب نصف القرن، وتعتبر أنها معصومة من الخطأ، على الرغم من الهزائم، على الرغم من الفواجع الاقتصادية والاجتماعية. وهذا ما قاد إلى عديد الاضطرابات وإلى أوضاع عدم الإستقرار على اختلافها.
البعد الثاني أو القطب الثاني في كل هذا هي المعارضة.
والمعارضات أصناف، لابد من إدراكها ومن تحديدها:
١- معارضات مُسقَطة من الخارج بمفعول التأثير الإيديولوجي، أو أيضا الهيكلي العضوي. الواقع أن التنظيمات الدولية تلد، وتبتدع، وتخترع تنظيمات فرعية عندنا. هذا ما يمكن ان يكون شبيه بعملية الزرع التنظيمي.
٢- الصنف الثاني المعارضات المنشقّة عن الحكم، عن أنظمة الحكم وعن أحزابها، وهي بالطبع معارضات لا تختلف استراتيجيا عن أنظمة الحكم، فقط تُولَد وتنشأ وتتشكل على خلفية صراع تقاسم الغنيمة. تنظيمات في آخر الامر لا داعي لوجودها عدا الحسابات الشخصية.
٣- الصنف الموالي: التنظيمات التي تتشكل انطلاقا من تصوّر إيديولوجي للعالم وللسياسة. وهذه التنظيمات بالطبع، نجدها مرتبطة بالنخب المثقفة والمتعلمة، لكنها في فجوة وفي برج عاجي، وعلى مسافة مع المجتمع ومع الحراك الجماهيري… هذه المعارضات: المسقطة من الخارج، والمعارضات المنشقّة عن الحكم، وعن الاحزاب القديمة الحاكمة، مع المعارضات ‘المثقفة” المترفّعة عن “العوام”، هي ليست في الواقع معارضات، بل تمثل مجتمعة، سلطة مضادّة اكثر تسلطا واستبدادا من الأنظمة القائمة.
٤- الصنف الأخير المعارضة الاصلاحية، وهي غالبا ما تكون نتاج تقاطع بين {حاجة إجتماعية، موضوعية لمعارضة سياسات ومخططات وتاريخ سياسي محدَّد}،،، و{مجال فكري يحدد إمكانات للتقدم والنهضة الاجتماعية}، هي: نهج مغاير تماما للنهج الرسمي… وهذا ما يعنينا، من حيث أن السلطة في بعدها الاخر هي أيضا معارَضة!!!
المعارضة الاصلاحية او السلطة البديلة، سلطة نكران الذات، لأصحح المفهوم،،، هي تلك المعارضة القادرة على إنتاج تصورات. هي تلك المعارضة القادرة على بسط وطرح البرامج والبدائل. هي المعارضة القادرة على الاقناع؛ هي معارضة لا تحتاج في الواقع لنهج الصّدام، ولا لخلق صراع، ولا تحتاج لنهج المواجهة. هي معارضة سلمية مستقلة ووطنية.
لكن الاختلاف وقوة هذه المعارضة تكمن تحديدا في كونها قادرة على التفكير، قادرة على طرح البدائل، قادرة طرح البرامج الحقيقية الواقعية والمواكبة للتحديات، قادرة على أن توجّه الرأي العام والمجتمع نحو خيارات بديلة. وهذه المعارضة قائمة، معارضة لا يمكن ان تُستَهدَفَ بأي شكل من الأشكال دون أن يبلغ الظلم ذروته، ودون أن تُعلِن السلطات القائمة عن افلاسها الفكري والسياسي والإديولوجي.
إذاً المعارضة البديلة هي معارضة فكر، هي معارضة مقترحات، هي معارضة بدائل واقعية، هي معارضة تصورات، بعيدة عن كل الحسابات الخارجية، بعيدة عن لعبة الشطرنج التي تنخرط فيها القوى الإقليمية والدولية. هذه المعارضة لا يمكنها إلا ان تتصل… هذا ما تحتاجه المنطقة العربية. البلدان العربية تحتاج لمعارضات منفصلة عن هواجس الحكم والتحكم والتسلط، منفصلة عن فكرة الثأر، والحقد والاستهداف الشخصي.
هذه المعارضة أكيد انها ستكون من ضمن النخبة المثقفة، من ضمن النخبة المفكرة والمبدعة. ومتى كانت كذلك، متى كانت متعفّفة عن منطق الغنيمة، متعفّفة عن الحكم كغاية في حد ذاته، عندها ستكون النهضة العربية، عندها سيكون هنالك تأثير ايجابي يستنهض الهمم ويوقظ الضمائر.
د. ليلى الهمامي.



