مقالات

(المواطن البسيط) بين سندان الحرب ومطرقة السلام دعوا الملائكة تعمل قليلا

بقلم د/ شيرين العدوي

على مر عقد من الزمان شاهدت كيف حول الرئيس السيسي علاقات معقدة مع العالم إلى مواءمات وتحالفات، ف​في أدبيات العلاقات الدولية، يُعد الحفاظ على خيوط تحالف متينة ومتزامنة مع واشنطن وبكين، وفي الوقت نفسه مع موسكو وباريس وروما، نوعاً من الدبلوماسية الانتحارية أو السير على حبل مشدود وسط عاصفة. لكن النظر إلى السياسة الخارجية المصرية على مدار العقد الماضي يكشف عن تبني عقيدة مختلفة تماماً؛ عقيدة فرض الأمر الواقع وتعدد البدائل، مما جعل عواصم القرار الدولي تدرك أن تجاوز القاهرة والدول العربية وخصوصا دول الخليج المجاورة للكيان المحتل يمثل تكلفة استراتيجية لا يمكن لأحد تحملها. لذلك كانت تحركات الرئيس ناحية الإمارات، قطر، عمان مهمة جدا وفي توقيتها.

​ومن عواصم أوروبا إلى واشنطن تتحدث لغة المصالح.

ف​لم يكن تحول الموقف الأوروبي، وتحديداً الفرنسي والإيطالي، تجاه مصر وليد صدفة، بل نتاج تقاطع حاد في المصالح الحيوية. في باريس، استندت الشراكة إلى ملفين لا يحتملان المناورة: الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب في شمال إفريقيا والساحل، إلى جانب صفقات التسليح الضخمة التي جعلت فرنسا شريكاً عسكرياً وازناً شرق المتوسط. أما روما، ورغم بعض المحطات الدبلوماسية المعقدة، فإن جغرافيا الطاقة كانت كلمة الفصل؛ فاكتشافات الغاز في المتوسط عبر شركة “إيني” جعلت من القاهرة الشريان المغذي لأمن الطاقة الإيطالي والأوروبي، وهو أمر يتجاوز الخلافات السياسية العابرة.

​بالانتقال إلى واشنطن، ورغم تعاقب الإدارات واختلاف توجهاتها الحزبية، تظل الدولة العميقة في الولايات المتحدة واعية لحقيقة واضحة: استقرار الشرق الأوسط يمر حتماً عبر بوابة القاهرة ودول الخليج. وقد أثبتت الأزمات المتلاحقة – من غزة إلى أمن الملاحة في البحر الأحمر- أن الدور المصري كـ “وسيط موثوق” وصمام أمان إقليمي هو مصلحة أمن قومي أمريكي لا يمكن الاستغناء عنها.

​في المقابل كان هناك هندسة توازنات شرقا وقد أدركت الإدارة المصرية مبكراً أن الاعتماد على محور واحد في عالم متعدد الأقطاب هو مجازفة غير محسوبة. من هنا جاء التحرك نحو بكين وموسكو؛ فالشراكة الاستراتيجية الشاملة مع الصين أدمجت مصر في مشروع “الحزام والطريق” عبر المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مما جلب استثمارات ضخمة دون شروط سياسية مكبلة. ومع روسيا، أُعيد إحياء العلاقات التاريخية من بوابة المشروعات القومية الكبرى كـمحطة الضبعة النووية، وهو ما منح القاهرة قدرة عالية على المناورة الاستراتيجية، وأظهر للغرب أن مصر تملك دائماً خيارات بديلة.

​وسط هذه اللوحة الجيوسياسية المعقدة لدول العالم جمعاء ، تبرز الحقيقة الأكثر قسوة في عالم السياسة الدولية: إن القوى العظمى، ومعها القوى الإقليمية الطامحة مثل إيران وفلسطين المحتلة وغيرهما، لا تضع “المواطن البسيط” في حساباتها عند اتخاذ قرارات الحرب أو السلم.

​في غرف العمليات المغلقة لعواصم القرار والتحركات الإيرانية في المنطقة، تُقاس الأمور بالنقاط الجيوسياسية، ومناطق النفوذ، وأوراق الضغط. أما ذلك الإنسان البسيط، فهو مجرد رقم في معادلة لا يملك صياغتها؛ يسحق قوته اليومي وتتأثر حياته بشكل مباشر أثناء اشتعال المعارك. والمفارقة المريرة هي أن معاناته لا تنتهي بوقف إطلاق النار، بل تستمر لسنوات عبر الأزمات الاقتصادية والتضخم وانهيار البنى التحتية. في حسابات السياسية الحقيقية، تُبنى الأمجاد الاستراتيجية للدول على حساب تطلعات وحياة البسطاء.

​لكن نجاح مصر في تحويل هذه القوى الدولية الكبرى إلى حلفاء لم يكن نتاج استجداء سياسي، بل نتيجة قراءة دقيقة لـ “حاجة العالم” إلى جهة قادرة على ضبط الإيقاع في منطقة تموج بالفوضى. لقد قدمت القاهرة نفسها كـحل للأزمات وليس جزءاً منها، وفرضت استقرارها الداخلي كأصل استراتيجي يبحث عنه الجميع. وفي عالم تحكمه المصالح وحدها، أثبتت التجربة أن القوى الكبرى لا تحترم إلا من يملك القدرة على الفعل والصمود على رقعة الشطرنج الدولية. سأظل معجبة جدا بعقلية الرئيس السيسي، لقد كانت تحركاته الأخيرة لفرنسا من منطلق حيوي، وهو أن يكف العالم عن الحروب وأن تنظر الحكومات للمواطن البسيط وترفع من قدره، وأن يعيد العالم صياغة الداخل كما أعاد صياغة الخارج. وأن يعم السلام والرخاء كل الدول بعد حروب أضاعت البشرية وعقولها. فدعوا الملائكة تعمل قليلا على هذه الأرض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى