مقالات

النار تخلّف الرماد


كتبت د : ليلي الهمامي


المزاج لا ينفصل عن الفكر، فهو يحيط به..، يدفعه وقد يكبّله احيانا … لست صاحبة مزاج متصلب أو قاسٍ، بل منفتحة على العالم بكل فيه من وقائع وإمكانات… لا أتسرّع في إصدار حكم، بل أعلّق الحكم حتى أفهم تجربة هذا، ومقاصد ذاك. لا ولست صاحبة نظر بعين واحدة، ولا أنا من المؤمنين بوحدة الحقيقة واطلاقيتها،،، وأبدا لا أستبد في قولي إلا في واحد: شأن الانتهازي المتلون المنقلب على ذاته والمنقسم عليها…


أجد في شخص “وطني ديمقراطي” تونسي ما يجسّد مشهدية العناق بين المهزلة والمأساة ولكم القصة:
شخص يدّعي النضال والصمود والتصدي تحت نظام بوليسي قمعي وصفه بنفسه، في اعتصام سُمِّي باعتصام الرحيل في باردو/تونس، بكونه أعتى الدكتاتوريات في العالم…


وبالنبش في تاريخ مسيرة الرجل المظفرة، خاصة وانه كان من المغمورين قبل اغتيال رئيس الحزب الذي ترأسه، أَكتشفُ أن بطلَنا المأساوي مُكِّن من منصب رئيس فرع بنك حكومي تحت حكم “الطاغية” ، فيصيبني الذهول، وأُلجِّم خيالي لأمنعه من طرح أسوء الظنون. ومع أني حسنة الظن، لا أستطيع أن أمنع فكري من ان يفترض أمرين:
الأول أن رجل كان إبان حكم “الطاغية” مكتفيا بذاته، لا علاقة له بالنضال والمعارضة واكتفى تلك الفترة بحياة هادئة رتيبة مترفة لا صلة لها لا بالنضال ولا بالتضحية.


الفرض الثاني أن فكرة الدولة البوليسية القمعية، مجرد ادعاء باطل، ما دام الرجل يناضل ضد الديكتاتور! ويشكّل “قوة ثورية” تسعى الى الاطاحة بحكم الطاغية وهو ينعم برغد العيش كرئيس فرع بنكي في مؤسسة حكومية يُفترض أن يخضع فيها كل انتداب لبحث أمني دقيق ومفصل ومتأنٍّ في أدق الجزئيات…


أتمثّل هذه الحالة الانتهازية وفي ذهني صنف غريب من أولئك الذين يعتنقون سلوك الحرباء، فيغيرون لونهم بتغير الفصول؛ من البنفسجي الى الاحمر الى الاخضر ثم لسنا أدري ماذا… و”صديقنا” لم يكن في حال أفضل، فصعد مركب الربيع العربي في شراكة مذنبة مع الفاشية الدينية بدعوى رفض الإستبداد، فأنتجت هذه الشراكة دستورا (دستور ٢٠١٤ في تونس) الذي مكّن الاخوان من التسرب الى شرايين الدولة والامساك بعصبها الحيوي،


فكان مسلسل الكوارث، مسلسل الدم والانهيارات التي قادت الى اغتيال زعيم حزب صديقنا الهمام، وكان 25 جويلية عنوان إيقاف مسلسل ما عُبّر عنه بالانتقال الديمقراطي، فوجد صديقنا نفسه مرة أخرى في وضع الانتهازي الجالس بين مقعدين. فهو ضد نظام بن علي حيث كان إطارا بنكيا مرموقا في بنك حكومي، وهو ضد انتقال ديمقراطي حكمه الاخوان وتحكموا فيه، وحيث كان السيد الانتهازي جزءً من مشهدية حكم الاخوان، زيّنها بمداخلاته العصماء اليائسه في قبة برلمان تراسه الغنوشي …


ويطل علينا أخيرا ليعلن أنه ضد المعارضة وليس من السلطة، فلا هو في الجنة ولا هو في النار: وضع الملعون الذي قضت الآلهة بأن يكون معلَّقا بين السماء والارض، فلا جسدُه يرتاح، ولا روحُهُ تهدأ… حقيقة أشعر بالحزن والأسى أن يؤول نضال الشهيد شكري بلعيد الى هذا المسخ… محزن حقا.
د. ليلى الهمامي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى