مقالات

اليسار يفسد زواج المتعة بين الاخوان وبقايا التجمعيين

كتبت د ليلي الهمامي

أولا تحياتي للجميع، لكل المواطنين الوطنيين المتطلعين للديمقراطية والحرية والتقدم. أردت ان أوضّح جملة من المسائل في اتجاه الاخوان وشركاء الاخوان ومن عارضهم أيضا من أتباع السيدة عبير موسي.

أعتقد انه بعد مسيرة 10 جانفي 26 الفاشلة، آن الاوان لننظر الى الاشياء كما هي لا الى الاشياء كما نريدها. ويعرفني الجميع، لم أكن في يوم من الايام من المتحاملين على هذا الطرف او ذاك. وهنا كذلك لا اتحامل، وإنما أمارس حقّي الطّبيعي في التفكير خارج ديكتاتورية العصابات والقبائل التي قضت مسيرتها وهي تحاول أن تحتكر الفضاء العام. أن أمارس حقّي، هذا مبدأ وشرط الديمقراطية الحقيقية. أتحدث عن توافقات العصابات التي تشبه الديمقراطية ولا علاقة لها بها والتي لا صله لها بالحرية في كل الحالات.

بعض المداخلات وبعض الملاحظات ذات الصبغة التهجمية من أتباع الإخوان طرحت عليّ مسالة “لماذا لا تنتقدين حكم قيس سعيد؟”.

في هذا السياق أردت ان أوضّح جملة من المسائل. أولا كباحثة وكأستاذة جامعية في الاقتصاد بالجامعات الاوروبية، -وهذه قناعتي-، أنا من أنصار الاقتصاد الحر ومن أنصار المجتمع المفتوح، ومن أنصار الديمقراطية التامة والشاملة. ليست مواقفي وليدة اليوم… هي طروحاتي، هي مقارباتي، هي مداخلاتي، هي خبزي اليومي في المجال الاكاديمي، وفي مجال المؤسسات المالية التي انتميت اليها … لا علاقة لهذه المفاهيم بالتمشي العام لسياسات السيد قيس سعيد.

ثانيا وهذه نقطة أساسية، من يطالبني بنقد السياسات الرسمية، من الأجدر أن يقدم نقده الذاتي. هو أصلاً وأساسا المطالَب بتقديم نقده الذاتي.

إن تاريخ 2019 تاريخ غير بعيد. إن خانتكم الذاكرة فأنتم يا إخوان، من ضحّيتم بمرشحّكم عبد الفتاح مورو، واتجهتم نحو انتخاب الرئيس قيس سعيد. والجميع يذكر جيدا الدعوة لانتخابه بكل حماسة “العصفور النادر”، مع شيطنة باقي المرشّحين. هذه خياراتكم…. وما نَحياهُ اليوم هو نتيجة، لا فقط للعملية الانتخابية أو للحملة الدعائية التي شنتها النهضة بزعامة راشد الغنوشي (المنابر الاعلامية لا تزال موجودة، مدونة ومسجلة) هذا أيضا في عشرية أسيئت فيها ادارة الدولة، ومورست فيها أبشع أشكال تفليس الدولة، في عفو تشريعي عام، في تحميل ميزانية الدولة لأكثر مما كانت تحتمله: فوضى، على إرهاب، على سحل على المنابر الاعلامية، على تسفير الى البؤر … عشرية كاملة كان من الضروري أن تفرز ما انتهت اليه الاوضاع؛ البحث عن شكل من أشكال “التطهّر” …

آسفة، هذه اخطاؤكم وليس دوري، ولست هنا لأبرّر أخطاء النهضة، لانها ليست أخطاء معزولة ولا جديدة:

البداية كانت زمن بورقيبة والتحالف مع محمد الصيّاح، بتعليمات أمريكية لقطع الطريق أمام تمدد اليسار. ثم صفقة تمكين محمد المزالي من خلافة بورقيبة مقابل تنازلات على قضية الهوية والتربية والتعليم ودور النشر وما شابه. مطبوعات الاخوان ما يسمى بالمناشير، كانت تطبع في القصبة في مطبعة الحزب الحاكم أيام محمد الصيّاح ومجلة المعرفة، وافتتاحية مجلة المعرفة لا تزال موجودة في علاقة بالموقف من الاضراب العام يوم 26 جانفي 1978.

ثم تحالفتم مع بن علي، وكانت تلك المقولة الشهيرة لراشد الغنوشي “الله فوق وبن علي تحت”… ثم انقلبتم وانقلب بعضكم على بعض فكانت القطيعة سنة 1991… ثم غادر الغنوشي تونس بجواز سفر عبر الحدود الجزائر ثم ألحقت به اسرته…

ثم بعد سنوات، عاد للتحالف مرة أخرى،،، فرسالة 2007… وكان التحالف مع صخر الماطري والتمهيد لعودة الاخوان وعودة الغنوشي إلى تونس بعد ترتيب تولي صخر الماطري خلافة بن علي… ثم عدتم يوم 14 جانفي، فانقلبتم على من مكنكم من الاستمرار في الحياة، على من أنقذ حياتكم (انقذ حياة راشد الغنوشي وحياة علي العريض).

هذه معطيات ثابتة ومؤكدة وبالشهادات وبكل المؤيدات…

ثم تطالبونني أنا اليوم بأن اكون موضوعا للنقد: نقد من لم أساهم في انتخابه. هذا هراء ليس مثله هراء. .

في ملاحظة موالية في اتجاه أنصار السيدة عبير موسي وموقفي. انا اتعاطف مع كل مسجون مهما كان. أتعاطف مع كل مسجون ما لم يتورط في الدّم، ما لم يتورط في العنف، ما لم يتورط في الارهاب، او الخيانة الوطنية.

هنا، لا بد لي أن أوضّح أنه ليس لي ان أتلقى دروسا ممن قرر اتّباع شخص ولم يعالج الفكرة التي يحملها ذلك الشخص. لابد من التذكير بحقيقة أن عبير موسي أنكرت وتنكرت لبن علي وأنها انقلبت على قيادتها ٢٤ ساعة بعد سقوط النظام، بعد رحيل بن علي. عبير موسى قفزت بين عشية وضحاها لتعلن أنها برقيبية وأنكرت يوم رحيل بن علي، أنكرت المرحلة النوفمبرية برمتها، لتتملص من “تهمة” اسمها بن علي.

المسألة الثانية هي أن اتجاه المواقف الرسمية لعبير موسى هو اتجاه نحو استهداف واختزال المعركة في الاسلاميين. برنامج حزبها يتمحور حول فكرة واحدة هي معاداة الإخوان ولا شيء غير ذلك، لذلك حين سقطوا سقطت.

ثم إنها كانت مدمِّرة للبرلمان الذي تم حله من الرئيس قيس سعيد في 25 جويليا في سياق تفعيل الفصل 80 من الدستور، من معارضين مثل محمد عبو وعصام الشابي؛ اطراف كانت تطالب قيس سعيد بتفعيل الفصل 80 من دستور 2014…

بصراحة، أود أن اذكّر بهذه الحقائق التي لا يمكن نسيانها، أود ان اذكّر ربما كانت ذاكرة هؤلاء قصيرة، اريد أن أذكّر الذين يتعاطون مع التراث ومع التاريخ ومع الماضي بطريقة انتقائية ومزيفة للواقع، لأن هؤلاء يتورطون لا محالة في تزييف المعطيات وتزييف وعي المجتمع ووعي الشعب، وهذه جريمة في حد ذاتها.

ملاحظة أوجهها لمجموعة الصفر فاصل، تلك الاحزاب التي أصمّت آذاننا بالصراخ مطالبة بالديمقراطية.

سقط “الاستبداد” وسقطت الديكتاتورية، رحل بن علي ولم يحصلوا الا على نتيجة “الصفر فاصل” لأن هذا هو حجمهم الحقيقي !!!

أكثر من هذا، أذكّر أيضا بانخراط أحمد نجيب الشابي بعد سقوط بن علي، في حكومة محمد ، الغنوشي، أي حكومة التجمع الدستوري الديمقراطي، حزب بن علي… أذكّر أيضا باعتراض هؤلاء على بعض الاحزاب والمستقلين من ان يكونوا ضمن التشكيلة، بعد سقوط النظام وبعد رحيل بن علي يوم 17 جانفي…

وهذا دليل واضح على أن مشكل هؤلاء الحقيقي هو أن يكونوا شركاء لحزب بن علي الحاكم، أي للتجمع ليس إلا، وأن مشكل هؤلاء كان من البداية، ان يعترف بهم النظام وليس أي أمر “نبيل” اخر؛ لا ثورية ولا هم يحزنون…

كل شعارات الثورة التي صرخوا بها، كل ذلك كان كذبا في كذب، وكله زيف… بمعنى أن إشكالهم الحقيقي كان، أن لا يدخل أحد سواهم الى التشكيلة الحكومية، مطلبهم ان يكونوا، هم وهم فقط، شركاء بن علي؛ وشركاء النظام…. هذا ما اثبتته الممارسات.

هم خططوا لتمكين أحمد نجيب الشابي من رئاسة الجمهورية. خططوا لضرب أحزاب ومستقلين جدد كان لهم شيء من التمثيلية والشعبية داخل الراي العام.

هذه معطيات وأحداث لا أضيف إلبها شيئا، لا أضيف ولا ألغي ولا افسخ أي شيء… معطيات تعبر عن نفسها… تلك هي الحقيقة بتفاصيلها وتواريخها ووقائعها. من يقبل فليقبل ومن لا يقبل عليه ان يقدّم الحجة المضادة.

آخر المهازن هي الصورة التي رُفعت في مسيرة السبت 10 جانفي 26 والتي رفعها بعض النشطاء يبدو انهم شركاء الدستوري الحر للسيدة عبير موسي وفي الصورة نصف وجه للراحل زين العابدين بن علي ونصف وجه الرئيس الحالي قيس سعيد: على أساس ما معناه أنهما وجهان لعملة واحدة واستبداد وثورة… هذا في مسيرة ساهم فيها انصار السيدة عبير موسي… عجبا !!! يعني لو انتم بهذا القدر من الحرص على الخط الوطني والنهج الوطني، كيف تسمحون لمن تقاسمتم معهم هذه الايام مشاعر الحب الفياض، كيف تسمحون لهم بأن يتهجموا على رمزكم الاول؟ أن يتهجموا على رئيسكم؟ أردتم أم لم تريدوا كلكم كنتم في وضع الاصطفاف وراء الرئيس الراحل بن علي. كلكم كنتم من داعمي بن علي. رئيستكم من الحلقات المقرّبة من دوائر القرار. رئيستكم جزء من آليات سلطة بن علي.

أتساءل ما هي الرسالة؟

إما أن تكونوا قد أكدتم الانقلاب على التراث النوفمبري والمرحلة النوفمبرية، وإما ان تكونوا مجرد حطب ووقود في معركة تُقصيكم أطرافها وانكم مستهدفون باي شكل من الاشكال من الذين تشاركونهم اليوم التحرك والتضامن وصياغة المواقف… تنسيق دون افق ودون معنى… أخطاء بالجمله ونتائج كارثية….

د. ليلى الهمامي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى