مقالات

بناء الدولة والواقعحصر السلاح بيد الدولة (3)

بقلم المهندس رسول العذاري

بعد سقوط بغداد عام 2003، لم يكن العراق يتحرك في فراغ إقليمي. فقد دخلت حسابات دول الجوار والقوى الدولية بقوة على خط الأحداث، وانعكست رؤى هذه الدول على سلوك الولايات المتحدة وعلى القوى السياسية العراقية الصاعدة، فأصبح العراق ساحة لتقاطع مشاريع متعددة، لا مشروعاً وطنيا عراقيا خالصا.
كانت بعض دول الخليج والسعودية تنظر بقلق إلى نجاح تجربة ديمقراطية في العراق، خشية أن تمتد آثارها إلى مجتمعاتها، بينما سعت إيران إلى بناء عمق إقليمي للقوى الشيعية العراقية، ضمن ما عُرف لاحقاً بمشروع «الهلال الشيعي»، الممتد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان، مع امتدادات أخرى في المنطقة. وفي المقابل، كانت هناك رؤية أمريكية ـ إسرائيلية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق توازنات جديدة تحد من نفوذ القوى المنافسة وتمنح إسرائيل موقعاً أكثر قوة في الإقليم.
وبغض النظر عن مدى دقة كل هذه القراءات، فإنها تفسر جانباً مهما مما جرى: تحول العراق إلى ساحة صراع للمصالح الإقليمية والدولية. ومع دخول أجهزة استخبارات وأموال ودعم سياسي وعسكري من أطراف متعددة، أصبح المشهد الداخلي أكثر تعقيدا، وبدأ الأمن العراقي يتهاوى أمام التفجيرات والاغتيالات والصراعات المسلحة.
وفي ظل هذا الاضطراب، برزت أحزاب سياسية تستند إلى الطائفة أو القومية، بينما بقيت القوى الوطنية العابرة لهذه الانقسامات أضعف، لأنها لم تكن تمتلك الظهير الإقليمي الذي امتلكه الآخرون. وهكذا تراجعت فكرة المواطنة أمام صعود الهويات الفرعية، حتى وصل الأمر إلى حرب أهلية طائفية قاسية أكلت الأخضر واليابس.
ثم جاء تنظيم داعش ليجد بلدا منهكا، ومجتمعا ممزقا، ومؤسسات لم تستطع بعد أن تستعيد عافيتها، فزاد الجرح العراقي عمقا.
وهكذا، بدلا من أن يكون عام 2003 بوابة لبناء الدولة العراقية الحديثة، تحوّل إلى بداية صراع طويل على العراق: من يملك قراره، ومن يرسم مستقبله، وأي هوية ستكون هي الغالبة؛ هوية العراق أم هويات الآخرين؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى