مقالات

بناء الدولة والواقعحصر السلاح بيد الدولة (4)

بقلم المهندس رسول العذاري

كانت النتيجة الطبيعية لتلك العوامل أن وُلدت طبقة سياسية غلب عليها الطابع الطائفي والحزبي، ولم تكن تحمل مشروعا واضحا لبناء دولة مؤسسات. وتوالت الحكومات، لكن القاسم المشترك بينها كان الفساد، وتبديد الثروة، والصراع على المناصب والنفوذ.
وفي ظل نظام المحاصصة ظهرت مصطلحات لم تكن مألوفة في الدولة العراقية، مثل «بيع وشراء الوزارات»؛ إذ تتحول الوزارة التي يحصل عليها الحزب بالتوافق السياسي إلى مساحة نفوذ ومصالح، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على أداء مؤسسات الدولة.
ولم تكن وزارات الدفاع والداخلية بمنأى عن ذلك. فقد انتشرت ظواهر أكثر خطورة، منها بيع بعض المناصب العسكرية، وإدخال ضباط تحت ما سمّي بـ«الدمج» من دون تأهيل أكاديمي وعسكري كافٍ. ثم ظهر مصطلح «الفضائيين»، للدلالة على أسماء مسجلة ضمن تشكيلات الجيش، بينما أصحابها غير موجودين فعلياً، فضلا عن ظواهر أكثر قسوة، كـ«العلاسة»، وهو الوصف الذي أُطلق على من يتواطأ مع العدو ويسلم الجنود أو مواقعهم مقابل المال، إلى جانب سرقة مخصصات وطعام الجنود وغيرها من صور الفساد.
لم تكن المشكلة إذا في نقص السلاح بقدر ما كانت في انهيار الثقافة العسكرية نفسها: جيش بلا انضباط راسخ، ولا عقيدة وطنية واضحة، ولا منظومة مهنية تحميه من التسييس والفساد.
وعندما جاءت لحظة الاختبار الكبرى، ظهر حجم الخلل. فتمكنت أعداد محدودة من مقاتلي داعش من إسقاط الموصل، ثم السيطرة على مساحات واسعة من صلاح الدين والأنبار، حتى أصبحت أجزاء تقارب ثلث مساحة العراق تحت سيطرة التنظيم.
وهكذا لم يكن سقوط تلك المدن مجرد انتصار عسكري لداعش، بل كان امتحاناًد قاسيا للدولة العراقية، كشف أن فساد السياسة والمحاصصة عندما يتسللان إلى مؤسسات الدولة، وخصوصا المؤسسة العسكرية، يمكن أن يحولا جيشا يمتلك السلاح والعدد إلى مؤسسة عاجزة عن حماية وطنها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى