مقالات

بناء مدن المستقبل من أرض جرداء: تجارب التنمية الحضرية فى شيونغآن والعاصمة المصرية الإدارية الجديدة

بقلم: لى آى شين

Li Aixin

رئيسة تحرير صحيفة غلوبال تايمز الصينية

أثناء تصفحى لمحتوى السفر على مواقع التواصل الإجتماعى هذا الصيف، صادفتُ مؤخراً فيديو عن “مدينة مستقبلية”. وما إن نقرتُ عليه حتى ظهرت مدينتان جديدتان تماماً جنباً إلى جنب.

إحداهما منطقة شيونغآن الجديدة فى شمال الصين، حيث تجوب السيارات ذاتية القيادة أحياء سهل شمال الصين، مزودة بإشارات مرور ذكية تبدو وكأنها تعمل من تلقاء نفسها. أما الأخرى فهى العاصمة المصرية الإدارية الجديدة فى مصر – أفقٌ خلابٌ من الأبراج الزجاجية الشاهقة وسط رمال الصحراء الممتدة – يُشبه رؤيةً من الخيال العلمى تحولت إلى واقع ملموس.

لم تتمتع أى من المدينتين بمزايا طبيعية كامنة. فقد نشأت شيونغآن من أراضٍ زراعية هادئة وغير مميزة، تفتقر إلى الأنهار الرئيسية أو السواحل. بينما بُنيت العاصمة المصرية الإدارية الجديدة من رمال صحراء شمال أفريقيا التى تعصف بها الرياح. ورغم إختلافهما الجذرى، إذ يفصل بينهما أكثر من سبعة آلاف كيلومتر، إلا أن هذين المكانين يُثبتان نفس الفكرة الجوهرية: أن المخططات الحضرية للمدن المستقبلية تُكتب بشكل متزايد من أراضٍ جديدة تماماً، بدلاً من تطوير المراكز الحضرية التاريخية المكتظة.

وتنبع الدوافع الرئيسية وراء كلا المشروعين من معضلات حضرية متطابقة وطويلة الأمد تُثقل كاهل عواصمهما. صُممت منطقة شيونغآن الجديدة لتخفيف الضغط عن الوظائف غير الأساسية لدور بكين كعاصمة وطنية، ولتعزيز التنمية المنسقة لمنطقة (بكين-تيانجين-خبى). أما العاصمة المصرية الإدارية الجديدة، فقد أُنشئت خصيصاً لتخفيف الإزدحام المرورى الخانق فى القاهرة، ودعم التنمية الإقتصادية.

للتغلب على مآزق التخطيط الحضرى المتوارثة، شرعت الصين من الصفر فى بناء مدينة على سهل شمال الصين الشاسع الخالى، بينما بدأت مصر فى تشييد مدينة من كثبان الصحراء الكبرى، كركيزة أساسية لرؤية مصر ٢٠٣٠. وبتزامن شبه تام، أطلقت الدولتان تجارب متوازية فى بناء مدن المستقبل.

قبل تسع سنوات فقط، لم تكن شيونغآن سوى أراضٍ زراعية مترامية الأطراف. أما اليوم، فقد تطورت بسرعة لتصبح مدينة متكاملة ثلاثية المستويات، تضم مساحات سكنية فوق الأرض، وأنفاقاً تحت الأرض للخدمات، ونظاماً رقمياً ذكياً قائماً على الحوسبة السحابية.

فوق الأرض، تم الإرتقاء بمستوى المعيشة إلى أقصى حد. لا يبعد المقيم أكثر من ٣٠٠ متر عن المساحات الخضراء، وغالباً ما تكون الحدائق على بُعد خمس دقائق سيراً على الأقدام. وتندمج المبانى المنخفضة الإرتفاع مع الغابات الوارفة وأحواض الزهور. والأهم من ذلك، أن المدينة توفر نظام دعم شامل – سكناً ميسور التكلفة ومستقراً، وفرص عمل متنوعة، وفروعاً لأفضل الجامعات، ورعاية صحية عالية الجودة – كما تعجّ المقاهى والمطاعم والمتاجر المريحة بالطلاب والعمال والسكان. كما أنشأ مخططو المدينة مناطق تقنية متطورة لرعاية الشركات المبتكرة التى ستنمو جنباً إلى جنب مع المدينة.

هل رأيت يوماً مدينة بلا أغطية للبالوعات؟ لقد حققت شيونغآن ذلك. جميع خطوط المرافق البلدية – المياه والكهرباء والغاز والتدفئة والإنترنت – مُجمّعة بدقة فى أنفاق تحت الأرض، إلى جانب أكثر من ٢٠ مليون متر مربع من مواقف السيارات وأنفاق لوجستية ذاتية القيادة رائدة عالمياً. وتُنقل البضائع تحت الأرض – بينما يُخصص السطح للمشاة والدراجات والحافلات – بإعتباره نهج يُجسّد مبدأ “المشاة فى الأعلى، والأشياء فى الأسفل”.

على المستوى الرقمى، يراقب “العقل” الذكى للمدينة حركة المرور والمرافق والبيئة على مدار الساعة. فهو يرصد المشاكل مبكرًا، ويمنعها قبل وقوعها، ويُفسح الطريق لسيارات الإسعاف، ويعمل كطبيب لا يكلّ يُجرى فحوصات دورية على مدار الساعة للمدينة بأكملها.

يشبه الأمر غرس واحة مزدهرة فى الصحراء، وتجهيز كل شئ لحياة مريحة، ثم الترحيب بحرارة بالناس الذين يحملون أحلاماً ليأتوا ويجعلوها نابضة بالحياة.

ليست هذه قصة شيونغآن وحدها، فالعاصمة الإدارية المصرية الجديدة تروى قصة مماثلة. فمع إفتقار المدينتين للأنهار والموانئ والثروات المعدنية، إستخدمتا التخطيط الإستشرافى والتصميم الأخضر والتكنولوجيا الذكية لإثبات أنه حتى الأرض القاحلة يمكن أن تنمو لتصبح مدينة عصرية مزدهرة.

مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الإجتماعى تخطف الأنفاس – مبانٍ وأطول ناطحة سحاب فى أفريقيا ترتفع من رمال الصحراء، وأبراج زجاجية تتناغم بشكلٍ لافت مع الكثبان الذهبية – وهو تذكيرٌ صارخ بأن الدول الصحراوية قادرة على مواجهة تحديات الصحراء وبناء المستقبل فى آنٍ واحد.

على غرار شيونغآن، تتبنى العاصمة المصرية الإدارية الجديدة الذكاء الإصطناعى. حيث يربط نظام مركزى ذكى الطاقة والمياه والنقل عبر إنترنت الأشياء، بينما يدير الذكاء الإصطناعى حركة المرور والطاقة فى الوقت الفعلى. ولمواجهة الجفاف الشديد فى الصحراء، تعيد المدينة تدوير المياه بكثافة وتستخدم أنظمة رى ذكية لترشيد إستهلاك كل قطرة.

يخلق هذا التركيز المشترك على التصاميم الذكية والمستدامة ترابطاً وثيقاً بين منطقة شيونغآن الجديدة والعاصمة المصرية الجديدة.

بدأت ملامح المركز التجارى الحكومى الجديد فى مصر بالظهور، على الرغم من أن المناطق السكنية والمرافق اليومية لا تزال قيد التطوير، وهو ما أثار بعض المخاوف. لكن الرافعات لا تتوقف عن العمل فى الصحراء، والبناء مستمر. حتى أن مدونى الفيديو الصينيين قاموا برحلة لمشاهدة ذلك بأنفسهم. قصة هذه المدينة الصحراوية ما زالت في بدايتها.

لقد تحررت كل من شيونغآن والعاصمة المصرية الإدارية الجديدة من قرون من التطور الحضرى التقليدى. تثبتان أن بإمكان أى دولة أن تبدأ بالبيئة والبنية التحتية والخدمات العامة أولاً، ثم تجذب السكان والصناعات. فالرؤية الطموحة والتنفيذ المتقن هما كل ما يلزم لبناء مدينة مستدامة حقاً.

لحظتان صغيرتان لكنهما مؤثرتان من مقاطع الفيديو لا تزالان عالقتين فى ذهنى: فى شيونغآن، يُنبه نظام المدينة الذكى الموظفين عندما يتوقف عداد المياه الخاص بشخص مسن عن العمل لفترة من الزمن، مما يدفعهم إلى الإطمئنان عليه. وفى الصحراء المصرية، يقف الناس عند سفح أطول برج فى أفريقيا، ينظرون بأمل إلى الأحياء غير المكتملة ويحلمون بحياة أفضل. مشهدان صغيران، يجمعهما طموح واحد عالمى: مدن أفضل للجميع.

تنهض هاتان المدينتان من أرض قاحلة، وتكتبان قصتيهما الفريدتين. لا تقدمان نموذجاً مثالياً واحداً، لكنهما معاً تفتحان مساراً جديداً واعداً لمستقبل الحياة البشرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى