ترامب… سياسة الأنياب المكشوفة

سمير السعد
في السياسة، كما في التاريخ، تسقط الأقنعة عند لحظات الاختبار الكبرى. ودونالد ترامب، العائد إلى البيت الأبيض بولاية ثانية محمّلة بالضجيج، لم يحتج إلى وقت طويل ليكشف الوجه الآخر للإدارة الأميركية .. وجه الغطرسة العارية من القيم، والقوة المنفلتة من أي ضابط أخلاقي أو إنساني. رئيسٌ يتحدث باسم “الحرية” فيما يده مغموسة بالقمع، ويزايد بحقوق الإنسان بينما يشرعن القتل تحت لافتة ” نفاذ القانون ” سواء في شوارع أميركا أو خارج حدودها.
منذ اليوم الأول، بدا ترامب كمن يحكم العالم بعقلية رجل أعمال خاسر يهدد، يبتز، يساوم، ثم يرفع صوته أكثر حين يفشل. حذف دول من الخريطة السياسية، لوّح بضم أراضٍ، حرّض على أنظمة، وتقمص فجأة دور حمامة السلام حين تقتضي المصلحة. في الداخل الأميركي، تُقمع الاحتجاجات، وتُسحق الأقليات، ويُبرَّر الرصاص بأنه إجراء أمني، بينما تُختزل العدالة في عصا غليظة بيد الشرطة، وقانون يُفسَّر وفق مزاج السلطة.
أما خارجياً، فالمشهد أكثر فجاجة. غزة تُباد، والضفة تُخنق، والقتل الجماعي يتحول إلى “حق دفاع عن النفس”، خدمةً لمشروع صهيوني لا يرى في الإنسان سوى رقم زائد. في المقابل، يفيض ترامب إنسانية فجائية تجاه شعوب أخرى، شرط أن تكون حكوماتها خارجة عن بيت الطاعة الأميركي. وهكذا، يصبح “القلق على الشعب الإيراني” خطاباً جاهزاً، بينما العقوبات التي تخنقه هي من توقيعه، والحصار الذي ينهك اقتصاده هو من أدواته.
الملف الإيراني، في هذا السياق، ليس إلا مثالاً صارخاً على سياسة الخطوة للأمام والخطوتين إلى الخلف. ضغطٌ إعلامي، تحريض سياسي، ووعود مبطّنة لـ”الخارجين على النظام”، في خدمة مباشرة للكيان الصهيوني. لكن الحسابات لم تسر كما أرادها ترامب. إيران، التي قرأت الرسالة مبكراً، رفضت الابتزاز، ورفعت مستوى الجهوزية، وأرسلت إشارات واضحة بأن أي عدوان لن يكون نزهة عسكرية.
هنا، بدأ التراجع. ارتفع منسوب القلق في الخليج، فُتحت الملاجئ في فلسطين المحتلة، وتحوّلت الحرب المحتملة من استعراض قوة إلى مغامرة مجهولة العواقب. عندها، خفَت صوت ترامب، ومال الخطاب من التهديد إلى الإلهاء، ومن إيران إلى غرينلاند، في محاولة واضحة للبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه، لا أكثر.
الأسئلة التي تفرض نفسها اليوم ليست ترفاً سياسياً: لماذا انخفض سقف التهديد الأميركي؟ لأن كلفة الحرب باتت أعلى من قدرتها على الاحتمال. لماذا رفضت إيران الابتزاز؟ لأنها أدركت أن التراجع في هذه اللحظة يعني فتح الباب لابتزاز دائم. هل كان للموقف الخليجي دور؟ نعم، فاعتراض الحلفاء أحياناً يكون أبلغ من تهديد الخصوم. وهل يناور ترامب ليفاجئ العالم؟ الاحتمال قائم، لكنه محكوم بقيود الواقع، لا بنزوات التغريد.
اخيرا .. يتضح أن سياسة القوة العمياء لا تصنع انتصاراً دائماً. إيران، رغم الحصار والتهديد، أظهرت صلابة موقف، ورفضت تقديم التنازلات تحت الضغط، مؤكدة أن السيادة لا تُقايَض، وأن الشعوب التي اعتادت الصمود لا تُخضعها حملات التحريض ولا فوضى النفوذ. أما ترامب، فيبقى أسير صورته: رئيسٌ يلوّح بالأنياب، لكنه حين يقترب من الحافة، يبحث دائماً عن طريق خلفي للنجاة..


