جامعة مركز: ملحمة الكفاح العلمي من التأسيس المتواضع إلى الريادة الحضارية

بقلم: عبد الله الثقافي الهندي
(عميد كلية أصول الدين – جامعة مركز)
عندما تشرع جامعة مركز في عقد مؤتمرها السنوي الثامن والأربعين ، فإنها لا تُحيي مجرد رقمٍ عابرٍ في روزنامة السنوات؛ بل تستحضر سِفرًا مجيدًا من التاريخ، مثقلاً بذكريات الأيام العصيبة، ومضخاً بالتحديات الجسام التي صاغت هوية هذه القلعة العلمية، ورسمت ملامح مسيرة مؤسسها، فضيلة الشيخ أبي بكر أحمد -حفظه الله-.
البدايات.. مخاض العسر وبشائر اليسر
لقد كانت الانطلاقة شاقةً ومحفوفةً بالمخاطر؛ إذ برز الشيخ وحيدًا في الميدان، يصدح بصوت الحق موقظًا للقلوب بنور العقيدة الصافية، ورافعًا لواء الدفاع عن منهج أهل السنة والجماعة، مقتفيًا في ذلك أثر سلفه الصالح الشيخ حسن مسليار -رحمه الله-.

وفي سبيل هذه الغاية النبيلة، تجرع الشيخ مرارة المضايقات، واصطدمت عزيمته بعواصف هوجاء من خصوم المنهج السني، ومن تيارات سياسية وفكرية مناوئة. بيد أنه ظل شامخًا شموخ الجبال الراسيات، يذود عن حياض الدين بلسانٍ ذرب، وحجةٍ دامغة، وجنانٍ لا يهتز، غير آبهٍ بالأشواك التي نُثرت في طريقه.
من بذرة صغيرة إلى دوحة وارفة الظلال
في تلك الحقبة التأسيسية الحرجة، لم تكن “جامعة مركز” سوى دار أيتامٍ متواضعة، تؤوي نحو خمسة وعشرين طالبًا. ولكن، خلف تلك الجدران البسيطة، كان يكمن “مشروع حضاري عملاق”. ومع تعاقب الأيام، وتضافر الجهود المخلصة، تبلورت الرؤية، ونمت الفكرة، حتى تحولت تلك الأرض الجرداء إلى منارة سامقة، تفيض بالنور والمعرفة.

وسرعان ما امتدت أغصان هذه الدوحة المباركة لتغطي مختلف الولايات الهندية، ناشرةً رسالتها السامية عبر شبكة واسعة من المؤسسات الدينية، والتربوية، والاجتماعية، حتى توجت مسيرتها بإنشاء “مدينة المعرفة”؛ التي أضحت اليوم شاهدًا حيًا على نضج المشروع، واتساع أفقه العالمي.
تلاحم الأرواح وثمار الغراس
لقد انصهرت الجامعة ومؤسسها في بوتقة واحدة، حتى باتا كالجسد الواحد والروح الواحدة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. وإذا ما قلبنا صفحات هذا السجل الذهبي، وجدنا حصادًا يسر الناظرين؛ فقد خرّجت الجامعة أكثر من عشرة آلاف عالم وداعية، واحتضنت في رحابها ما يزيد على مائة ألف طالب وطالبة في شتى الحقول المعرفية؛ مشكلةً بذلك إنجازًا حضاريًا قل نظيره في العصر الحديث. واليوم، وإذ تجدد جامعة مركز عهدها في مؤتمرها الثامن والأربعين، فإنها تؤكد عزمها المضي قدمًا في دروب العلم، والدعوة، والخدمة المجتمعية.

ومضات من المؤتمر السنوي الثامن والأربعين
يتميز المؤتمر في دورته الحالية ببرامج نوعية تمزج بين الأصالة العلمية والروحانية الإيمانية، ومن أبرز معالمه: مجلس ختم صحيح البخاري: يُعقد بإشراف فضيلة مفتي الديار الهندية، في أجواء روحانية مهيبة. المحاضرات والملتقيات: تشمل محاضرة علمية كبرى، وملتقىً للعلماء، ومجالس تربوية تعكس البعد التزكوي للمؤسسة. عرس التخرج الكبير: مشهد تتجلى فيه ثمرة الجهود، حيث يتم تكريم وتوزيع الشهادات والأسانيد على: أكثر من (500) عالم من خريجي دعوة “الثقافة”.

ما يزيد على (80) حافظًا لكتاب الله من أكاديمية القرآن الكريم.
إن هذا المحفل العلمي الكبير لا يمثل مجرد احتفالية عابرة، بل هو شعار ناطق بمنهج أهل السنة والجماعة في ولاية كيرالا، وبرهان ساطع على رسوخ الجامعة في حمل مشعل الاعتدال، وخدمة العلم الشرعي، وصناعة الإنسان علميًا، وروحيًا، وتربويًا نسأل الله العلي القدير أن يثقل موازين شيخنا الجليل بهذه الأعمال الصالحة، وأن يمد في عمره في طاعة ورضا، وأن يديم هذه المؤسسة منارةً للهداية والعلم إلى قيام الساعة



