مقالات

حينما يتحوّل الناس إلى وحوش ضارية

بقلم/ المهندس رسول العذاري

ما جرى في مدينة البصرة ليلة رأس السنة ليس حادثة عابرة، ولا «تفصيلاً مؤسفًا» يمكن تجاوزه بالصمت أو التبرير، بل هو جرح عميق في جسد المجتمع، وصفعة قاسية على وجه القيم التي طالما تباهينا بها.
فتاة خرجت مع أهلها للاحتفال، في مكان عام، وفي مناسبة يفترض أنها تحمل الفرح والأمان، تتحول فجأة إلى ضحية تحرش جماعي وحشي، بلغ حد الاعتداء الجسدي الفاضح أمام مرأى ومسمع الحشود. أيّ انحطاط هذا؟ وأيّ سقوط أخلاقي وصلنا إليه حتى تُرتكب جريمة بهذا الحجم دون أن تتحرك نخوة، أو يتدخل ضمير، أو تُستنهض إنسانية؟
أين ذهبت القيم التي طالما تغنّى بها المجتمع العراقي؟ أين الشهامة، وأين «الفزعة»، وأين حماية الضعيف؟ كيف يمكن لعقولٍ ترفع شعارات الدين، وتمشي مئات الكيلومترات إلى كربلاء في مواسم الزيارات، أن تغيب عنها أبسط تعاليم الدين والأخلاق في موقف كهذا؟ أيّ انفصام هذا بين الطقس الديني والسلوك الإنساني؟
الأكثر إيلامًا من الجريمة ذاتها، هو ما تلاها من تعليقات مريضة، حمّلت الضحية مسؤولية ما جرى لها. سمعنا من يسأل: «لماذا خرجت؟» وكأن خروج فتاة مع أهلها جريمة تستوجب العقاب! هذا النوع من التفكير لا يقل خطورة عن الفعل الإجرامي نفسه، لأنه يشرعن الجريمة، ويبرئ الجاني، ويقتل الضحية مرة ثانية.
لو توقف هؤلاء لحظة واحدة أمام ضمائرهم، وسألوا أنفسهم بإنصاف: أليست هذه الفتاة قد تكون أختي، أو ابنتي، أو قريبة لي، أو جارة؟ أليس الخروج إلى الفضاء العام حقًا طبيعيًا لكل إنسان؟ لكن سهولة إطلاق الأحكام من خلف الشاشات، بعيدًا عن الضغط والخوف والصدمة، تجعل البعض يتخلى عن إنسانيته دون تردد.
ما حدث في البصرة ليس انعكاسًا لأخلاق مدينة أو محافظة بعينها، بل مؤشر خطير على خلل عميق في المنظومة الأخلاقية والتربوية والاجتماعية. خلل يبدأ من البيت، ويمر بالمدرسة، ويتغذى على خطاب ديني واجتماعي انتقائي، وينتهي في شارع بلا رادع ولا قانون.
نعم، نحن بحاجة إلى وقفة جادة مع أنفسنا. بحاجة إلى إعادة بناء منظومة القيم، لا بالشعارات، بل بالتربية الفعلية، وبخطاب ديني أخلاقي حقيقي، وبإعلام مسؤول، وقبل كل شيء بتشريعات صارمة تطال كل من تسوّل له نفسه الاعتداء على كرامة الإنسان، دون تهاون أو مجاملة.
فالسكوت عن مثل هذه الجرائم هو مشاركة فيها، وتبريرها هو جريمة أخلاقية لا تقل فداحة. وإذا لم نشعر جميعًا بالخزي والغضب مما حدث، فإن السؤال الحقيقي لن يكون: ماذا جرى للمجتمع؟ بل: أيّ مجتمع بقي لنا أصلًا؟ المهندس رسول العذاري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى