حين يكتب المنتصر التاريخ

بقلم المهندس رسول العذاري
من أكثر الأمور التي تثير الألم والدهشة في آنٍ واحد، أن التاريخ لا يكتبه الحق دائمًا، بل كثيرًا ما يكتبه المنتصر أو صاحب السلطة. ولذلك نجد أحداثًا كبرى وشخصيات عظيمة تعرضت للتشويه أو التهميش، بينما رُفعت شخصيات أخرى إلى منزلة لا تستحقها.
ولعل من أكثر الأمثلة إثارة للتساؤل ما جرى ليوم عاشوراء. فهذا اليوم هو اليوم الذي استشهد فيه الحسين بن علي، سبط رسول الله ﷺ، في واحدة من أعظم المآسي التي عرفها التاريخ الإسلامي. ومع ذلك، تحول عند بعض المسلمين إلى يوم فرح واحتفال، وربطوه بنجاة موسى عليه السلام وشق البحر.
وهنا يبرز سؤال مشروع: هل يعقل أن تطغى مناسبة الفرح على ذكرى مقتل ابن بنت النبي؟ ثم إن ربط الحدثين يثير تساؤلات تاريخية أخرى، منها اختلاف التقاويم بين الأمم، وما إذا كان وقوع الحدثين في اليوم نفسه أمرًا يمكن الجزم به تاريخيًا.
بعيدًا عن الجدل، فإن القضية الأهم هي أن الإعلام الرسمي والسلطة السياسية يمتلكان قدرة هائلة على إعادة تشكيل وعي الشعوب. فحين تتكرر الرواية عبر المنابر والكتب والأجيال، تتحول في أذهان الناس إلى حقيقة لا تقبل النقاش، حتى وإن كانت بحاجة إلى مراجعة ونقد.
ولهذا فإن قراءة التاريخ لا ينبغي أن تكون قراءةً ساذجة، بل قراءةً ناقدة تسأل وتفكر وتقارن بين الروايات، لأن التاريخ ليس مجرد سردٍ للأحداث، بل هو أيضًا صراع على الذاكرة.
وكم من شخصية عظيمة ظلمها التاريخ، لأنها وقفت في وجه السلطة، وكم من شخصية متواضعة الشأن صنعتها الدعاية حتى بدت في أعين الناس بطلةً لا تُخطئ.
إن احترام التاريخ لا يعني التسليم بكل ما وصل إلينا، وإنما يعني امتلاك الشجاعة لإعادة قراءته بعقلٍ مفتوح، بعيدًا عن التعصب، وبحثًا عن الحقيقة التي تستحق أن تُروى كما هي.


