مقالات

ختم النسر


بقلم د.شيرين العدوي


فى هذه اللحظة التى يمتزج فيها ضياء الفكر بظلال الرحيل، وبينما يلملم معرض القاهرة الدولى للكتاب أطراف ثوبه الثقافى المطرز بالورق فى مدينة المعرفة القاهرة. فإننا نجد أنفسنا أمام مرآة الوعى التى صقلتها أيام من الزخم الجميل، فى حضرة الأستاذ نجيب محفوظ، فلم يكن مجرد أيقونة تتصدر البوستر بل كان روحا نابضة تسرى فى الممرات تذكرنا بأن آفة حارتنا النسيان، وأن القراءة هى فعل المقاومة الأول ضد المحو، ومن يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونا.


هذا الزخم الثقافى الذى جعل كل المثقفين فى كل أنحاء الوطن العربى يحسون أن مصر بخير، وأنهم بين أهلهم؛ حتى إن العبرات سقطت حارة عند توديعهم. ومن خلال المعرض ظهرت أدوار مهمة لجهات ثقافية متعددة يجب الإشادة بها، على رأسها بيت الشعر العربى برئاسة الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى، واتحاد كتاب مصر برئاسة الشاعر الكبير علاء عبدالهادى، وجهات أخرى فردية العمل وصالونات أدبية.


حيث استضافت هذه الجهات ضيوف المعرض من كل أنحاء العالم وشاركت فى رواج السياحة الثقافية بشكل مهم وفاعل لدعم حضور المشاركين الإبداعى، وهو جهد عظيم بالتأكيد، لكنى أطالب بالتنسيق بين كل هذه الجهات فى أثناء وضع برنامج المعرض حتى لا يخل هذا بأداء الضيوف داخل المعرض نفسه فيهجرون أمسياتهم الأساسية، وينسحب جمهورهم معهم ويتشتت، فكلنا نعمل بقلب رجل واحد من أجل الثقافة. هذا الدور الذى يقوم به هؤلاء المبدعون الكبار يعزز من دور المثقف النوعى داخل مفاصل الدولة فى رسم المشهد العام وتأكيد أن المبدع رافعة تعزز من قيمة المجتمع والوعي.


مواقفهم جعلتنى أستدعى (محفوظ) كشخصية رئيسية للمعرض، وقد أعادت لى الذاكرة مع قراءتى كتابا مهما بعنوان «نجيب محفوظ بختم النسر» من عدة سنوات للكاتب الصحفى طارق الطاهر؛ حيث يُعدّ سيرة ذاتية فريدة تكشف الجانب الإدارى واليومى لأديب نوبل المصري. ويعتمد الكتاب على وثائق رسمية وأوراق موقعة بخط يد محفوظ، مُقدّمًا صورة كاملة لـ37 عامًا من حياته المهنية كموظف حكومى وتأتى أهميته الآن. فى المعرض ليس لمجرد احتفال بتراث محفوظ الروائى، بل فرصة لإعادة قراءة تجربته كاملة، بما فيها مناطقها الشائكة.


وكتاب طارق يخاطب الجمهور العريض، لا النخبة فقط، فيساعد فى تفكيك صورة محفوظ الأسطورية، دون أن ينتقص من قيمته، بل على العكس، يضيف إليها إنسانيته وعمق تجربته. يحكى لنا طارق الطاهر أن نجيب محفوظ عمل فى ثلاث وزارات رئيسية، المعارف 5 سنوات، الأوقاف 17 عاما، والثقافة 20 عاما وتولى مناصب مثل مدير مكتب الوزير ومشرف رقابة الطباعة والسينما. وفى 70 وثيقة تظهر تقارير سرية تثنى على اجتهاده. كالوثيقة التى تقدم بها لطلب الالتحاق بالوظيفة، والتى كتب فيها «أنا على استعداد أن أتولى أى عمل كتابى أو ترجمة رغم تخصصى فى الفلسفة».


لا أعرف من أين استطاع الكاتب أن يحصل على هذه الوثائق المهمة بالتأكيد إنه مجهود عظيم يحسب لطارق. فهوعمل المؤرخين الكبار مختوما بختم النسر. هذا إن دل على شىء فيدل على أن الكتب الجيدة لا تموت أبدا، بل تختم بختم نسر الحياة.وللحديث بقية عن الكتاب وجمالياته.
للحديث بقية. .. المصدر : مؤسسة الأهرام المصرية .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى