داء الكلب في العراق: الإجراءات الحالية في مواجهة الكلاب الضالة والتحديات الكبيرة

بقلم / الدكتور زياد حازم ابراهيم
إختصاص صحة عامة
لم يعد داء الكلب في العراق مجرد تحذير طبي عادي بل أصبح خلال الفترات الأخيرة يشكل تهديدا صحيا ومجتمعيا مباشرا وذلك بعد تسجيل عدد من الوفيات البشرية خلال العام السابق مع تزايد حوادث هجوم الكلاب الضالة (الحرة) على المواطنين في عدة مناطق من بغداد وباقي محافظاتنا العزيزة. وهذه الأزمة قد تعكس خللا طويل الأمد في إدارة الكلاب الضالة وفي السيطرة على المخاطر الصحية المصاحبة لوجودها، وكذلك فإنها تسلط الضوء على الحاجة الماسة إلى وعي جماهيري وإجراءات شاملة وعاجلة لحماية المجتمع.
ان داء الكلب مرض فيروسي شديد الخطورة يصيب الجهاز العصبي وينتقل غالبا عبر عضة كلب مصاب أو دخول لعابه إلى جروح او خدوش في الجلد، وتكمن خطورته في أن المرض قاتل بنسبة 100٪ بعد ظهور الأعراض، ولا يوجد علاج ناجع في هذه المرحلة، بينما يمكن الوقاية منه كليا إذا أُعطي اللقاح في الوقت المناسب بعد التعرض للعضة. ولذلك فإن أي تقصير في التعامل مع العضة أو تجاهلها يمكن أن يكون ثمنه حياة الإنسان.
وتشهد عدة مدن عراقية تزايدا نسبيا وفوضويا في أعداد الكلاب الضالة حيث باتت هذه الحيوانات تتكاثر في الشوارع والأحياء السكنية بشكل غير منضبط، مع ضعف القدرة على تلقيحها أو تعقيمها.
ويزداد خطر الإحتكاك المباشر بين الكلاب والبشر بسبب توافر مصادر غذاء سهلة، أهمها القمامة المكشوفة في الشوارع، وهذا الواقع يجعل الناس وخاصة الأطفال أكثر عرضة للخطر من السابق خصوصا في المناطق التي تعاني من وجود خلل في تجمع النفايات او في ظل عدم وجود الوعي الجيد والإجراءات الصحيحة بإدارتها، مما يخلق بيئة مثالية لتجمع الكلاب في الأزقة وحول الأسواق والمقاهي والدور في داخل المناطق السكنية، مع ظهور سلوكيات عدوانية غير طبيعية لدى بعض الكلاب مثل الهجوم دون استفزاز أو العض المتكرر او الرغبة في العض، مما جعل القلق الشعبي يتنامى ويزداد في الآونة الأخيرة وبدأت الأزمة تتخذ طابعا أمنيا وصحيا في آن واحد.
ان وجود وفيات بشرية بداء الكلب يعني أن الفيروس يدور حاليا بصورة فعلية وفعالة بين الكلاب وأن أي عضة غير معالجة قد تتحول لاحقا إلى وفاة مؤكدة. وفي هذا الواقع قد يصبح التدخل الحثيث والمنظم لتقليل خطر العض خيارا اضطراريا لا مفر منه، وهنا يظهر دور الجهات الأخرى إلى جانب الجهات الصحية، فالسلطات الصحية تتحمل مسؤولية تلقيح الأشخاص الذين تعرضوا للعض وتقديم الإسعافات الطارئة، لكن السيطرة على تفشي المرض واحتوائه تتطلب جهودا مشتركة من مختلف القطاعات، فالجهات البيطرية مسؤولة عن متابعة الحيوانات وتشخيص الكلاب المصابة والإشراف على عمليات التخلص من الكلاب التي تشكل خطرا مباشرا على البشر بطريقة علمية وإنسانية، وأمانة بغداد ودوائر البلدية تلعب دورا أساسيا في إدارة النفايات ووضع حاويات مغلقة تمنع الكلاب وباقي الحيوانات من الوصول إلى القمامة وتقلل بذلك تجمعها في الشوارع وهو ما يؤدي إلى انخفاض هجمات الكلاب على الناس ويحد من انتشار الأمراض الأخرى المرتبطة بالنفايات مثل الالتهابات المعوية والطفيلية، كما أن الجهات الأمنية تعمل على حفظ الأمن وتنظيم عمليات السيطرة على الكلاب العدوانية وضمان أن هذه العمليات تتم بشكل آمن للمواطنين وللعاملين في المجال البيطري.
وقد أثار التعامل مع الكلاب الضالة جدلا واسعا في الفترة الأخيرة بين من يرفض قتلها لأسباب إنسانية ومن يطالب بإجراءات حاسمة لحماية الناس، لكن في حالات التفشي يؤكد المختصون أن لحياة الإنسان وصحته أولوية مطلقة وأن التخلص من الكلاب التي تظهر عليها أعراض داء الكلب أو تشكل خطرا مباشرا هو إجراء له تبريراته الطبية والاخلاقية والبيطرية. وفي الوقت نفسه يحذر بعض الخبراء من أن القتل العشوائي وغير المنظم لوحده ليس حلا جذريا وقد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا نُفذ بطريقة فوضوية لأنه يثير الكلاب المتبقية ويزيد سلوكها العدواني. ومع ذلك وفي ظل غياب القدرة الفعلية على تلقيح جميع الكلاب حاليا تصبح الاستجابة السريعة والمنظمة لتقليل خطر العض خيارا اضطراريا في مواجهة الخطر المستشري.
وفي وسط كل هذا الجدل تبقى الحقيقة الأهم أن ما ينقذ الأرواح هو تصرف الناس الصحيح بعد أي عضة مهما كانت بسيطة حيث يجب التعامل معها كحالة طوارئ، وينصح بغسل الجرح فورا بالماء والصابون لمدة لا تقل عن 15 دقيقة ثم تطهيره جيدا والتوجه فورا إلى أقرب مؤسسة صحية للحصول على لقاح داء الكلب والمصل المضاد للمرض، حيث ان التأخر أو الاستخفاف بالإصابة قد يكون ثمنه الحياة وهذا أمر واقع وموثق علميا.
ان الوعي الصحي يلعب دورا كبيرا في الحد من انتشار المرض ويجب أن يكون جزءا من الثقافة المجتمعية، فخطوات مهمة مثل حماية الأطفال من الاقتراب من الكلاب الضالة وعدم محاولة ضرب أو مطاردة الكلاب وأهمية الإبلاغ عن الحيوانات العدوانية بدل مواجهتها كلها خطوات قد تبدو بسيطة لكنها فعالة وهامة. كما أن التثقيف حول خطورة المرض وكيفية التعرف على الكلب المصاب يمكن أن يقلل كثيرا من الإصابات البشرية. وإلى جانب ذلك تلعب إدارة النفايات دورا رئيسيا في الحد من تجمع الكلاب الضالة وتقليل الاحتكاك معها حيث أن وجود حاويات مغلقة ورفع القمامة بشكل منتظم يمنع الحيوانات من البحث عن الطعام في الشوارع ويقلل من انتشار الأمراض المرتبطة بالنفايات وهو حل عملي وفعال يمكن تطبيقه على نطاق واسع من قبل دوائر البلدية وبالتعاون مع باقي الجهات المحلية المعنية.
وتشمل الحلول المثلى على المدى الطويل برامج تلقيح الكلاب والتعقيم للحد من التكاثر لكنها تحتاج إلى خطة مشتركة بين مختلف الوزارات والجهات كالصحة والبيطرة والبلديات والبيئة والجهات الأمنية ومنظمات المجتمع المدني وغيرها.
ان الإدارة المتكاملة لهذه الأزمة تضمن حماية الناس وتقلل من حالات العض والوفيات الناجمة عن المرض وتساعد على استعادة النظام في المناطق التي تعاني من فوضى الكلاب الضالة، وإن أي تأخير في هذه الإجراءات قد يؤدي إلى مزيد من الإصابات والوفيات وهو أمر يجب على الجميع إدراكه.
ان إدارة أزمة داء الكلب تتطلب إستجابة سريعة ومسؤولية مشتركة بين المواطنين والسلطات الصحية والبيطرية والبلدية والأمنية، مع التركيز على دور البلديات والمواطنين أنفسهم في الحفاظ على بيئة نظيفة ومناطق سكنية بدون تبعثر للنفايات ويجب وضع حاويات مغلقة وأن تكون محكمة الغلق لمنع تجمع الحيوانات الضالة والحد من المخاطر الصحية المحتملة المتعددة.
وفي الوقت نفسه يجب أن تكون حملات التوعية مستمرة لتثقيف المواطنين حول كيفية التعامل مع الحيوانات الضالة وعضاتها وكيفية حماية أنفسهم وأطفالهم من المخاطر المتعلقة بها.
ان الوعي الجيد والاستجابة السريعة ووضع حياة الإنسان وصحته أولا هي الخط الدفاعي الضروري في هذه الأزمة ويجب أن تكون محور أي استراتيجية لمواجهة داء الكلب.
وفي النهاية فان داء الكلب مرض يمكن الوقاية منه لكنه قاتل بمجرد ظهور الأعراض، وان تجاهله أو التهاون في مواجهته قد يحوله إلى مأساة متكررة بين المواطنين، والعراق اليوم بحاجة إلى استجابة فورية وعقلانية تجمع بين الإجراءات العاجلة لحماية الناس وتنظيم جهود جميع الجهات المسؤولة للحد من انتشار الكلاب الضالة وضمان بيئة مناسبة أكثر أمانا عبر تحسين إدارة النفايات واستخدام الحاويات المغلقة، وان حماية الأرواح هي الأولوية المطلقة وكذلك الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول ومن خلال جميع ما ذكر يمكن الحد من الخطر وإيقاف هذه الأزمة.



