أخبار العراق

دور الإعلام العربي في ظل المتغيرات السياسية المتسارعة

بقلم: ناصر السلاموني

يشهد النظام الدولي المعاصر تحولات سياسية متسارعة تتسم بتشابك الصراعات الإقليمية مع المصالح الدولية، وبانتقال مركز الثقل من الحروب التقليدية إلى ما يُعرف بحروب الإدراك والرواية وتوجيه الوعي الجمعي. وفي هذا السياق، لم يعد الإعلام مجرد وسيط لنقل الأحداث، بل بات أحد الفواعل المؤثرة في بنية القوة الناعمة، وعنصرًا محوريًا في تشكيل الرأي العام وصياغة المواقف السياسية والاجتماعية.

ويكتسب الإعلام العربي أهمية مضاعفة في هذه المرحلة، نظرًا لاستهداف المنطقة العربية بمنظومات إعلامية دولية تسعى إلى إعادة إنتاج الواقع وفق سرديات منحازة، تمس القضايا العربية الجوهرية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. ومن ثم، فإن التحدي المطروح لا يتمثل في نقص المعلومات، بل في كيفية تأطيرها وتفسيرها، وفي القدرة على تفكيك خطاب الهيمنة الإعلامية الذي يعمل على تزييف الوعي وإعادة ترتيب الأولويات بما يخدم مصالح خارجية.

وتشير التجربة المعاصرة إلى أن الإعلام الفاعل هو ذلك القادر على الانتقال من الوصف إلى التحليل، ومن ردّ الفعل إلى المبادرة. فالإعلامي الذي يمتلك رصيدًا معرفيًا في مجالات التاريخ السياسي، والقانون الدولي، والعلاقات الدولية، يستطيع أن يضع الحدث في سياقه البنيوي، ويكشف ما وراءه من مصالح وشبكات تأثير. وتظل المصداقية والتحقق المنهجي من المعلومات شرطًا تأسيسيًا لأي خطاب إعلامي يسعى للتأثير المستدام، إذ تمثل الثقة المتراكمة رأس المال الرمزي الأهم في معركة الوعي.

كما يُعد امتلاك الرواية العربية المستقلة أحد المفاتيح الأساسية لمواجهة السرديات المفروضة. فالقضية التي تُطرح من موقع الدفاع الدائم تفقد قدرتها على الإقناع، بينما تكتسب الرواية قوتها حين تُبنى على وثائق، وشهادات، ومرجعيات قانونية، وتُقدَّم ضمن سرد متكامل لا يخضع لمنطق اللحظة. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية اللغة الإعلامية بوصفها أداة معرفية لا حيادية؛ إذ إن اختيار المصطلحات، وطريقة التوصيف، يسهمان مباشرة في توجيه الإدراك العام، إما نحو الفهم أو نحو التضليل.

ويفرض التحول الرقمي المتسارع إعادة نظر جذرية في أدوات الإعلام العربي وآلياته. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد منصات تكميلية، بل أصبحت ساحات رئيسية لتشكيل الرأي العام، خاصة لدى الأجيال الشابة. غير أن توظيف هذه الوسائط يظل مرهونًا بالقدرة على إنتاج محتوى معرفي مكثف، بصري وتفسيري، يوازن بين السرعة والعمق، ويواجه الأخبار الكاذبة دون الوقوع في فخ التسطيح.

أما على مستوى الخطاب الدولي، فإن التعامل مع الإعلام الغربي يتطلب فهمًا دقيقًا لبنيته الفكرية وآليات تأثيره. فالمنظومة الإعلامية الغربية تُدار وفق اعتبارات المصلحة والرأي العام، لا وفق منطق التعاطف الأخلاقي المجرد. ومن ثم، فإن مخاطبتها بخطاب عاطفي أو ديني مباشر غالبًا ما يظل محدود الأثر. التأثير الفعلي يتحقق عبر استخدام أدوات الخطاب الغربي ذاته: القانون الدولي، تقارير حقوق الإنسان، الأرقام الموثقة، وإبراز التناقض البنيوي بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية. كما أن كسر احتكار الرواية لا يتم بالصدام المباشر، بل بالاختراق المؤسسي الذكي، عبر دعم الأصوات الأكاديمية والإعلامية الغربية المنصفة، وبناء شبكات تواصل مع مراكز البحث والجامعات والبرلمانات.

وفي المقابل، لا يمكن فصل أزمة الإعلام العربي عن أزمة العلاقة بين المواطن وقضاياه العامة. فقد أدى تراكم الإحباطات السياسية والاقتصادية، إلى جانب خطاب إعلامي لا يلامس الواقع المعيشي، إلى اتساع فجوة الاغتراب بين الفرد والشأن العام. واستعادة هذا الارتباط لا تتحقق عبر الخطاب التعبوي، بل من خلال ربط القضايا الكبرى بالبنى الاجتماعية والاقتصادية اليومية، واعتماد مقاربة تشاركية تحترم العقل الجمعي، وتعترف بالأخطاء، وتطرح مسارات تغيير واقعية.

وفي هذا الإطار، يبرز الإعلام بوصفه وسيطًا مؤسسيًا بين مطالب المجتمع ودوائر صنع القرار. فالإعلام المهني القادر على أداء هذا الدور هو الذي يحوّل المطالب العامة إلى قضايا محددة قابلة للنقاش، وينقل الرأي العام بموضوعية، ويمارس مساءلة عقلانية لا صدامية، ويُعيد شرح السياسات العامة بلغة مفهومة، بما يسهم في تقليص فجوة الثقة وتعزيز الاستقرار المجتمعي.

وخلاصة القول، إن الإعلام العربي اليوم لا يواجه مؤسسات إعلامية منافسة فحسب، بل منظومة نفوذ معرفي تسعى إلى إعادة تشكيل الإدراك والهوية. ولا يمكن مواجهة هذه المنظومة بالانفعال أو الخطاب الشعبوي، بل عبر بناء إعلام تحليلي مستقل، طويل النفس، قائم على المعرفة، والاحتراف، والقدرة على تحويل الحقيقة من موقف أخلاقي مجرد إلى قوة تفسيرية فاعلة. فالإعلام، في جوهره، ليس أداة صراع فقط، بل أحد أعمدة بناء الوعي، وحماية الهوية، وصيانة الاستقرار في زمن التحولات العميقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى