مقالات

د. شيرين العدوى تكتب : المتحدة ودراما الوعى والحق

مع انطلاق ماراثون الدراما الرمضانية، لم يعد التنافس مقتصرا على نسب المشاهدة أو صدارة «الترند»، بل انتقل إلى مساحة أكثرعمقا وتأثيرا؛ وتصدرت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية المشهد، فكيف أعادت رسم الخريطة الذهنية للمشاهد؟!

لقد أخذت المشاهد إلى منظومة صناعة الوعى. وقدمت له مشروعا تنويريا متكاملا، لم يكتف بالترفيه عنه؛ بل اشتبك بجرأة مع قضايا الهوية والأمن القومى، مثبتا أن الفن هو السلاح الأقوى فى معارك العقول وصراعات السرديات الكبرى. لقد مثل مسلسل «صحاب الأرض» حجر الزاوية فى هذه المعركة؛ إذ لم يكن مجرد عمل درامى يوثق المأساة الفلسطينية؛ بل كان فعلا «سياديا» أعاد ترسيم حدود الحقيقة فى مواجهة عقود التزييف.

واتسمت المعالجة الدرامية بالدقة التاريخية الفائقة والجودة البصرية العالمية، ونجحت فى تفكيك الرواية الصهيونية المضللة؛ وهو ما تجلى بوضوح فى ردود «الفعل المعادية» الممنهجة دوليا، لتشويه مصداقية العمل وهى واهية ومفتعلة فى آن واحد فالظلم «مفضوح» «هش» منبت من أرضه لا جذر له. العمل فى الواقع يستحق «وسام الاستحقاق» فقد أربك «الآخر» وزعزع أركان كذبه ووصل إلى لب الحقيقة. وتشير عمليات الرصد الإعلامى إلى أن 65% من الدوائر المعادية اتخذت موقف الهجوم الممنهج لمحاولة يائسة لفرض رقابة على الوعى العربى وتمثلت فى منصات إعلامية رسمية، ومراكز ضغط، وحسابات بوتات إلكترونية؛ بينما ساد الارتباك بنسبة 25% فى الأوساط التى لم تجد مفرا من الاعتراف بجودة العمل فى صورة تقارير تحليلية حاولت تفنيد الحقائق دون مهاجمة صريحة؛ خوفا من التعاطف الشعبى، وظهرت نسبة 10% تمثلت فى نقاد وأكاديميين غربيين ومنظمات حقوقية رأت فى العمل سردية بديلة ضرورية لكسر أحادية الرواية الصهيونية (المزيفة).

على الجبهة الأخرى جاء مسلسل «رجال الظل» عملية رأس الأفعى ليكون بمثابة دليل إرشادى للمواطن فى ظل حروب الجيل الخامس. المسلسل لم يتوقف عند حدود البطولات العسكرية، بل غاص فى كواليس «غرف «صناعة الزيف» الإلكترونية. لقد قدمت المتحدة من خلاله درسا ثقافيا فى المعلوماتية، كاشفة كيف تُدار الشائعات لهدم الروح المعنوية. لم ينفصل هذا الوعى الأمنى عن «الوعى الأسرى»؛ إذ أبرز العمل أن تماسك البيت المصرى، وحماية عقول الأبناء من الاستقطاب الرقمى هما خط الدفاع الأول عن الأمن القومى.

إن ردود أفعال الجمهور، خاصة الشباب على منصات «تيك توك»، و«إكس»، أثبتت تعطش الأجيال الجديدة للحقيقة.

لقد تحول المشاهد من متلقٍ سلبى إلى مدافع عن سرديته الوطنية، مستخدما مشاهد «أصحاب الأرض» و«رجال الظل» كأدوات معرفية للرد على محاولات التغييب. هذا الالتفاف الشعبى هو النجاح الحقيقى لـ«المتحدة»؛ إذ تمكنت من تحويل الدراما من مجرد « تمضية وقت» إلى «مادة للتفكير» وإعادة لبناء الإنسان المصرى الحر.

إن ما نشهده اليوم هو ميلاد مدرسة درامية جديدة، تؤمن بأن الفن مسئولية وطنية قبل أن يكون استثمارا تجاريا.

لقد استعادت مصر ريادتها الفنية عبر تقديم محتوى يحترم عقل المشاهد، ويصون وعى الأسرة المصرية، ويؤكد للعالم أجمع أن القوة الناعمة المصرية ستبقى دائما حارس التاريخ وصوت الحق الذى لا يغيب، مهما بلغت قوة سرديات التزييف.

المصدر : مؤسسة الأهرام المصرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى