حواء

سجيل.. رمم امرأة أنهكتها الحياة حتى أصبحت أنثاه التي لا تستغني عنه

قصة حقيقية كتبتها: الإعلامية سجى اللامي

هناك لحظات في حياة الإنسان لا تشبه ما قبلها، ولا ما بعدها.. لحظات يشعر فيها أن شيئاً داخله قد انتهى، حتى وإن استمرت الحياة من حوله بشكل طبيعي،
هذه قصة امرأة مرت بسنوات ثقيلة، حملت فيها من الألم ما يكفي لأن يجعل الإنسان يفقد ثقته بالحياة، وبالآخرين وربما بنفسه أيضاً.
كانت تقاوم صراعات تستنزفها جسدياً ونفسياً ومعنوياً، وتتعامل مع خسارات متتالية، وجميع خساراتها قاسية وأبسطها كانت خسارات مادية، كانت تعيش وسط انعدام الثقة، والانهيارات، والقلق، والشعور بأن الأبواب تغلق واحداً تلو الآخر،ومع ذلك، كانت تحاول أن تبقى محاربة…
كانت تنتظر من الحياة بصيصاً صغيراً، لا مزيداً من الألم…
في داخلها كان عقل لا يتوقف عن التفكير حتى يكاد يشلها، وقلب يركض من شدة القلق، وجسد أنهكته السنوات، ووجه يحاول إخفاء ما يحدث في الداخل.
كانت مسؤولة عن نفسها، وفي أوقات كثيرة تشعر أنها مسؤولة عن غيرها أيضاً…
وكأن الحياة لم تعد تمنحها خياراً سوى أن تستمر،
لكن في إحدى اللحظات، شعرت أن كل شيء انتهى.
انتهت الطموحات، وانتهت الرغبة في الركض خلف الأشياء، وأعلنت الهزيمة بعد سنوات طويلة من المقاومة،
وكان هناك تاريخ لم تستطع نسيانه:(2022/2/22)
موثق في أوراقها حتى إن أرقامه بدت مميزة، لكن ذلك التميز حمل لها معنى مؤلماً لأنه يذكرها بـ”ماضٍ واقع أليم”منذ ذلك اليوم، قررت أن تعيش فقط بالحد الأدنى من الحياة الطبيعية الى أن تأتي اللحظة التي تنتهي فيها الرحلة من الحياة وتنتقل الى رحمة الله…
لم تعد تبحث عن شيء كبير.
لا استقرار نفسي حقيقي، ولا أحلام كبيرة، ولا ثقة كاملة، ولا انتماء كامل.
صنعت لنفسها عالماً آخر بين عامي(2022 و2023)
عالم مليء بالأجواء والناس والصداقات والجلسات والابتسامات والمظاهر الجميلة…
كانت ترتدي مظهراً أنيقاً، تذهب الى أماكن عامة مختلفة، تجلس مع أشخاص، تتحدث وتضحك، وتعيش أيامها وكأن كل شيء بخير.
لكن خلف ذلك الرداء الملون كان هناك شيء آخر تماماً…
كانت الحياة تمضي بطريقة تشبه التمثيل…
جلسات، وأحاديث عامة واجتماعية، وابتسامة في وقتها، ثم يعود كل شخص الى منزله وينتهي اليوم…

لا شعور حقيقي.
لا ثقة حقيقية.
لا انتماء حقيقي.

مجرد محاولة لتمشية الأيام والأشهر والحياة

وكان أصعب ما شعرت به تلك المرأة أنها أصبحت لا تخاف من خسارة شيء،
فالإنسان عندما يصل الى مرحلة لا يخاف فيها من خسارة ما يملك، يكون قد وصل الى مكان قاسٍ جداً في داخله لأنه لم يعد يرى للحياة أهمية تستحق الخوف عليها.
ومع ذلك كانت تستمر…
تستمر لأن عليها أن تستمر،
وكان هناك سؤال يرافقها بصمت:
كيف يمكن للإنسان أن يكون مؤثراً في حياة الآخرين، بينما لا يجد شخصاً واحداً يستطيع أن يصل إليه بالمكانة نفسها؟

كانت ملجأً للأمان والثقة بالنسبة الى كثيرين، لكن لم يكن هناك من تشعر أنه ملجؤها هي…

حتى جاءت سنة 2024.
كانت تلك السنة نقطة التحول…
شيء في داخلها صرخ أخيراً:
كفى تمثيلاً عن نفسك.. عودي الى حواسك التي تشعرين بها…
وفي بداية ذلك العام، مرت بموقف صعب جداً…
وفي لحظة انهيار وصدفة جميلة، التقت بروح بشرية لم تكن تعرف أن وجودها سيترك كل ذلك الأثر…
جلست أمامها في مكان عام مليء بالضجيج واصوات الجالسين، وبدأت تتحدث…
تحدثت عن كل شيء.
عن حياتها، وأوجاعها، وما أخفته لسنوات…
لم تتردد…
كانت شفتها ترتجف من شدة الانهيار، وجفن عينها يحاول عبثاً أن يمنع الدموع من النزول…
كانت تحاول الاحتفاظ بكرامتها أمام تلك الروح، بينما كان داخلها منهاراً…
كان مظهرها يقول إنها بخير…
لكن الحقيقة كانت مختلفة تماماً…
وكانت تلك الروح تسمع.
لا تقاطعها، ولا تقلل من ألمها، ولا تتعامل مع ما تقوله باعتباره ضعفاً…
فقط كانت تسمعها بآذان صاغية…
ومن هناك بدأت (لحظة الانقلاب)
لحظة تسميها المرأة في داخلها:
((سجـيل القوة))
لم تكن قد درست علم النفس، لكنها شعرت أن ما حدث يشبه ولادة جديدة.
وللمرة الأولى منذ سنوات، ظهر بصيص صغير من الأمل.
بين عامي (2024 و2025) بدأت علاقتها بهذه الروح الإنسانية تكبر…
لكنها لم تكن رحلة سهلة.
كلما حاولت أن تجعله يفهمها، وكلما حاولت الاقتراب منه، كانت هناك أوقات لا يفهم فيها أحدهما الآخر…
وكانت لا تزال مترددة في تسليم حياتها بالقيادة الكاملة له..
كانت تصنع عالماً خاصاً تهرب إليه من أوجاعها عندما يكون الخصام بينهم تخرج في أماكن عامة وتسير بين الشوارع وتفكر وتقول لنفسها لماذا أصبحت هكذا خلقت هذا العالم حتى أنسى اوجاعي السابقة لكن هذا الرجل جعلني أنسى كل ما مررت به في الماضي وأصبحت متألمه بحبه..كانت لم تكن مستعدة للتخلي عنه بسهولة.
كانت تشعر معه بالراحة، لكنها كانت قلقة…
تحبه بشدة، لكنها لم تكن تثق تماماً بأنها لن تخذل منه..
وكان الخصام يحدث بين فترة وأخرى بسبب اختلافات في الفهم أو وجهات النظر، وأحياناً كان يمتد لأشهر،
لكن المفارقة أن الخصام لم يطفئ المشاعر.
بل كان يجعلها تنتظره أكثر.
كلما ابتعد، زاد الاشتياق.
وكلما حدثت مشكلة، زادت الرغبة في أن يعود…
وبمرور الوقت، بدأت تلك العلاقة تفعل شيئاً لم تستطع سنوات طويلة من المحاولات أن تفعله..رحبت به بقلبها وعقلها وروحها وكل حواسها..كانت تشعر امتلكها بجميع تفاصيلها ..
بدأت المرأة تتجاوز ماضيها.
بدأت تفكر به، بحبه، بألمه، وباشتياقه،
بدأت تشعر بالتعلق، واللهفة، والاحتياج..كانت سعادتها فقط معه…
حتى طاعتها له أصبحت بالنسبة إليها شكلاً من أشكال الحب، لا الذل.
كانت تلك التفاصيل الصغيرة، مع كل ما حملته من مشاكل وخصام ومواقف، تبني شيئاً أكثر ثباتاً في داخلها.
ثم جاءت سنة (2026)
وهنا لم تعد المشاعر كما كانت…

أصبحت أكبر.
أعمق.
وأكثر وضوحاً.

للمرة الأولى منذ سنوات، بدأت تشعر أن العالم جميل.
بدأت تخاف من الموت.
ليس لأنها أصبحت تخاف النهاية، وإنما لأنها وجدت أخيراً شيئاً تريد أن تعيش من أجله…
أصبحت تريد أن تعمر في العمر، فقط لتبقى الى جانبه.
لم تعد تحب فكرة الفراق…
ولم تعد تستطيع أن تتخيل حياتها من دونه.
والأغرب أنها بدأت تنظر الى كل السنوات القاسية التي مرت بها بطريقة مختلفة…
الألم الذي كان يوماً يبدو مستحيلاً، والخسارات التي ظنت أنها لن تتجاوزها، والانهيارات التي كادت أن تنهي قدرتها على الاستمرار، أصبحت كلها في نظرها أقل حجماً بعد أن دخل هذا الرجل حياتها…
ليس لأن ما عاشته لم يكن مؤلماً، بل لأن وجوده أعاد ترتيب معنى الأشياء والمشاعر الحقيقية التي كانت تفقدها،وعاشت الحب الحقيقي معه فقط …
أصبحت تثق به ثقة كبيرة، حتى إنها شعرت في مراحل كثيرة أنها كانت تثق به أكثر مما تثق بنفسها…
لم تشعر أنه سيخذلها… لم تشعر أنه سوف يتركها وحدها…
ولم تشعر أنه سوف يستغني عنها…
ومع مرور الوقت، لم تعد تراه مجرد رجل أحبته…
كانت تراه أحياناً أباً، وصديقاً، وحبيباً، وشريكاً، وسنداً،
وتصف شعورها تجاهه بأنه يشبه شعور الإنسان تجاه نصفه الحقيقي،كأنها التقت بالشخص الذي كان ينقصها طوال تلك السنوات…
التقت به بعدما بلغت (الثلاثين من عمرها) لكنها شعرت أنه الشخص الذي كان ينقصها طوال تلك السنوات السابقة،وشعرت أن اللقاء لم يكن بداية عمر جديد فحسب بل كان استكمالاً لعمر كامل كانت تعيشه ناقصا قبل أن ترتبط به…
وهكذا بعد سنوات ظنت فيها أن الحياة انتهت، اكتشفت أن الإنسان قد يعلن هزيمته في لحظة، ثم تأتي لحظة أخرى لا تعيد له الحياة فقط، بل تعيد إليه نفسه…
ربما لا يستطيع أحد أن يمحو الماضي.
ولا يستطيع أن يعيد السنوات التي انكسرت فيها الروح…
لكن أحياناً يكفي أن يأتي شخص واحد، في الوقت الذي تكون فيه كل الأبواب مغلقة، ليجعلك ترى أن الباب الذي كنت تنتظره لم يكن باباً للحياة فقط..
بل كان باباً للعودة الى نفسك،
هذه قصة واقعية، كتبتها بمشاعرها واحداثها وتفاصيلها الحقيقية، لأن بعض الحكايات لا تحتاج الى أسماء أصحابها بقدر ما تحتاج الى أن تصل الى قلب من يقرأها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى