سلة التفاح… وحكمة البناء

كتب رياض الفرطوسي
كان للفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت حيلة ذهنية تشبه قصة تُروى للأطفال، لكنها في العمق تصلح لتربية الأمم. قال: إذا شككتَ في سلامة التفاح، فلا تُجادل تفاحةً تفاحة، بل أفرغ السلة كاملة. ضع كل شيء خارجها، ثم أعد الفحص بهدوء، تفاحةً تفاحة، ولا تُعيد إلى السلة إلا ما ثبتت سلامته. هكذا وحده تنجو السلة، وهكذا وحده ينجو العقل.
هذه الفكرة، ببساطتها القاسية، تصلح أن تكون مرآة للسياسة حين تريد أن تكون فنّاً للبناء لا حرفةً للترقيع. فالعراق، وهو يفتش عن رؤيته الوطنية، لا يحتاج إلى طلاء قديم فوق جدار متشقق، بل إلى شجاعة الإفراغ أولًا: إفراغ الذهنيات المتهالكة، والآليات التي ثبت عطبها، والخلط المزمن بين الدولة والغنيمة.
القيادات السياسية الواعية، إن امتلكت إدارة ناجحة وإرادة نظيفة، قادرة على تطبيق هذه الحكمة الديكارتية: بناء الوطن منظومةً منظومة، ومؤسسةً مؤسسة، بلا استعجال ولا شعارات جوفاء. لا شيء يُترك للصدفة، ولا شيء يُعاد إلى السلة لمجرد الألفة أو الخوف من الفراغ.
ويكون إلى جانبها مجلس حكماء، لا للزينة ولا للتوقيع، بل للعقل والضمير. طاقم من المستشارين مهمتهم الإشراف على الخطط والبرامج، واستشراف سياسة الدولة لا بعين الماضي، بل ببصيرة المستقبل. مجلس يُمعن في السؤال قبل الإقرار، ويتروّى في التمحيص قبل التسليم، لا بدافع الارتياب بالأشخاص، بل حرصاً على الفكرة نفسها؛ فالمراجعة هنا ليست تشكيكاً، بل مسؤولية وطنية، والتدقيق ليس طعناً بالنيات، بل صيانةٌ للمسار.
الغاية في النهاية ليست كياناً هشّاً تُسنده الشعارات، بل إنساناً حيّاً: منتجاً لا عالة، مسالماً لا مفخخاً بالغضب، واثقاً بأن السلة هذه المرة لن تُملأ إلا بتفاح صالح للحياة. فالأوطان، مثل السلال، لا يحميها العدد ولا المظهر، بل متانة ما يوضع فيها.



