أخبار العراق

شخابيط شويب(4)

بقلم المهندس رسول العذاري

في هذه الحلقة من “شخابيط شويب” أريد أن أكمل حديثي عن معنى الهداية في قوله تعالى: “اهدنا الصراط المستقيم”، لكن هذه المرة من خلال تجربة شخصية ما زالت تفاصيلها حاضرة في أعماقي وكأنها حدثت بالأمس.قبل سنوات طويلة، وكنت حينها في بداية العقد الخمسيني من عمري، دخلت في مرحلة فكرية صعبة جدًا. كنت أقرأ بشغف في الكتب الوجودية والفلسفية والعلمية، وأتابع أفكار بعض الملحدين واللادينيين واللاأدريين، ومع كثرة الأسئلة وتشعبها بدأ إيماني يهتز بعنف. لم يكن الأمر تمردًا على الله بقدر ما كان صراعًا داخليًا مرهقًا بين إيمان تربيت عليه وانسجم مع بيئتي، وبين أفكار جديدة كانت تطرق عقلي بقوة.عشت وقتها معركة صامتة لا يعلم بها أحد. أسئلة كثيرة بلا إجابات مقنعة أحيانًا، وخوف من التصريح ببعضها أحيانًا أخرى. حتى وصلت تدريجيًا إلى قناعة أقرب إلى الفكر اللاأدري، وكأنني أصبحت معلقًا بين السماء والأرض، لا أنا مطمئن بالإيمان، ولا أنا مرتاح بالشك.وسط كل ذلك، بقي شيء واحد لم يتغير داخلي، وهو علاقتي الخاصة بالإمام علي بن أبي طالب. كنت دائمًا أشعر تجاهه بشيء مختلف؛ حكمة، وطمأنينة، وملاذ روحي أهرب إليه كلما ضاقت بي الدنيا. لذلك قررت ذات يوم أن أذهب إلى مرقد الإمام علي، وقلت في نفسي: “يا رب، إن كنت تريدني أن أعود، فأرني أي علامة تعيدني إلى رشدي”.ذهبت إلى النجف، ودخلت المرقد، لكن الصدمة كانت أنني لم أشعر بأي خشوع. لا رهبة، لا دموع، لا انجذاب، وكأنني أمام مكان عادي لا أعرف صاحبه. حتى عندما دخلت إلى الداخل بقي كل شيء باردًا داخلي، وكأنني أمشي في سوق مزدحم لا في مكان طالما ارتبط بروحي.جلست قليلًا، ثم هممت بالخروج، وقد ازداد يقيني وقتها بأن أفكاري الجديدة ربما كانت صحيحة، وأن الله لا يعنيه شيء من هذا كله، وإلا لماذا لم أشعر بأي إشارة أو أي تغير؟وأثناء خروجي، وقعت عيناي فجأة على آية قرآنية مكتوبة بماء الذهب: “هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا”.في تلك اللحظة شعرت وكأن شيئًا هزّني من الداخل. توقفت قدماي فجأة، وكأن أحدًا أيقظني من غفلة عميقة. بدأت دموعي تنهمر بلا إرادة، ووجدت نفسي أردد: “استغفر الله… الحمد لله… الله أكبر… شكرًا يا رب”.حينها فقط أدركت معنى ضعفي الحقيقي أمام هذا الكون الهائل. من أنا أصلًا؟ أنا الذي قبل سنوات معدودة لم أكن شيئًا يُذكر. مجرد ومضة صغيرة في عمر الخليقة، بل لا شيء أمام عمر الكون كله. كيف لعقل محدود مثلي أن يتكبر على خالق هذا الوجود أو يظن أنه قادر على الإحاطة بكل شيء؟اكتشفت يومها أن الابتعاد عن الله لا يكون دائمًا بسبب العناد أو الكراهية، بل أحيانًا بسبب الغرور الخفي للعقل حين يظن أنه قادر وحده على فهم كل الأسرار.في تلك اللحظة فهمت معنى “اهدنا الصراط المستقيم” بطريقة مختلفة تمامًا. الهداية ليست فقط أن يولد الإنسان مؤمنًا، بل أن يُعاد إلى النور بعد أن يتيه، وأن يشعر بأن الله لم يتركه رغم كل ابتعاده وحيرته.ومنذ ذلك اليوم، كلما قرأت “اهدنا الصراط المستقيم”، أتذكر تلك اللحظة، وأتذكر كيف أخذ الله بيدي من الضياع إلى الطمأنينة، لا بالقوة، بل بآية واحدة أيقظت قلبي كله.وللحديث بقية…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى