مقالات

شخابيط شويب (9)هل الواقع هو ما نراه أم ما ندركه؟

بقلم المهندس رسول العذاري

منذ أن بدأت رحلتي مع الزمن والوجود، أخذت أكتشف أن كثيرًا من الأمور التي نعدها بديهية ليست بديهية على الإطلاق. ومن أكثر الأسئلة التي استوقفتني سؤال يبدو بسيطًا للوهلة الأولى:هل الواقع هو ما نراه أم ما ندركه؟عندما كنت طفلًا كانت السنة الدراسية تبدو طويلة بشكل لا ينتهي. كنت أشعر أن العطلة الصيفية بعيدة جدًا وأن الأيام تمضي ببطء شديد. أما اليوم فأشعر أحيانًا أن السنوات تمر وكأنها أشهر، وأن الأمس كان منذ أيام قليلة رغم أنه مضى عليه سنوات.الغريب أن الزمن نفسه لم يتغير. الساعة ما زالت ستين دقيقة، واليوم ما زال أربعًا وعشرين ساعة، والسنة ما زالت اثني عشر شهرًا. فما الذي تغير إذن؟الذي تغير هو إدراكي للزمن.وفي لحظات أخرى نجد أنفسنا أمام ظاهرة مشابهة. ساعة واحدة في غرفة انتظار مستشفى قد تبدو أطول من يوم كامل نقضيه مع الأصدقاء. ودقائق قليلة أثناء الخوف قد تبدو وكأنها ساعات. بينما تمر ساعات طويلة من السعادة دون أن نشعر بها.إذا كان الزمن نفسه يتغير داخل وعينا، فهل الذي نعيشه هو الزمن الحقيقي أم الزمن الذي يصنعه إدراكنا؟ثم فكرت بالأحلام.في أثناء النوم قد نعيش أحداثًا كاملة. نلتقي أشخاصًا ونسافر إلى أماكن ونشعر بالخوف أو الفرح أو الحزن. وخلال الحلم لا نشك في واقعيته لحظة واحدة. بل إن القلب قد يخفق بسرعة، وقد نستيقظ متأثرين بما رأيناه رغم أن الأحداث كلها لم تقع خارج أدمغتنا.فإذا كان العقل قادرًا على بناء واقع كامل أثناء النوم، فإلى أي حد يمكننا الجزم بأن ما نعيشه أثناء اليقظة هو الصورة الكاملة للحقيقة؟الأمر لا يتوقف عند الأحلام.كثيرًا ما نكتشف بعد سنوات أن ذكرى معينة لم تكن كما كنا نظنها. فقد نتذكر موقفًا بطريقة معينة ثم نكتشف أن تفاصيله مختلفة. وكأن الذاكرة لا تحفظ الماضي كما هو، بل تعيد بناءه في كل مرة نستحضره فيها.بل إن الإنسان نفسه قد يغير رأيه في الحدث ذاته مع مرور الزمن. ما كان يراه كارثة في شبابه قد يراه نعمة في شيخوخته، وما كان يعده انتصارًا قد يكتشف لاحقًا أنه كان مجرد وهم.الحدث واحد، لكن الإدراك يتغير.وهنا بدأت أتساءل: هل نحن نعيش الواقع فعلًا، أم نعيش تفسيرًا للواقع؟العلم يخبرنا أن الدماغ لا يرى العالم مباشرة. ما يصل إليه مجرد إشارات كهربائية وكيميائية قادمة من الحواس، ثم يقوم هو ببناء الصورة التي نسميها “العالم”.بمعنى آخر، نحن لا نتعامل مع الواقع نفسه، بل مع نموذج يصنعه الدماغ عن الواقع.وربما لهذا السبب يختلف البشر في نظرتهم إلى الحياة رغم أنهم يعيشون على الكوكب نفسه. فكل واحد منهم يحمل داخله تاريخًا مختلفًا وتجارب مختلفة ومخاوف مختلفة وأحلامًا مختلفة، فيصبح الواقع الذي يراه مختلفًا عن الواقع الذي يراه غيره.لقد أمضى الإنسان قرونًا طويلة وهو يعتقد أن الأرض ثابتة وأن الشمس تدور حولها. وكان هذا هو الواقع بالنسبة له. ثم اكتشف أن ما رآه بعينيه لم يكن الحقيقة كاملة.فكم من الأمور التي نعدها اليوم حقائق مطلقة ستبدو لأحفادنا مجرد أوهام ناتجة عن محدودية إدراكنا؟لا أعرف الإجابة.لكنني كلما تعمقت في التفكير بالزمن والوجود ازددت اقتناعًا بأن الواقع أكبر بكثير مما تسمح لنا حواسنا وعقولنا برؤيته.وربما كانت أعظم مغامرة يخوضها الإنسان ليست اكتشاف الكون، بل اكتشاف حدود إدراكه للكون.وللحديث بقية…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى