أخبار دولية

“عمان ومصر” من التاريخ المشترك إلى الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية

علاء حمدي

القي سعادة السفير عبد الله بن ناصر الرحبي سفير سلطنة عُمان لدى جمهورية مصر العربية ومندوبها الدائم لدى جامعة الدول العربية ، كلمة خلال فعاليات ملتقى الاستثمار بالقطاع الصناعي الذي نظمته سفارة سلطنة عمان لدي القاهرة حيث قال فيها :

يسعدني أن أرحب بكم جميعًا في هذا المنتدى الاقتصادي، الذي تنظمه سفارة سلطنة عمان لدى جمهورية مصر العربية، بالتعاون مع غرفة تجارة وصناعة عمان – فرع شمال الباطنة بمحافظة صحار، في لقاء يجمع بين أصحاب القرار ورواد الأعمال والمستثمرين، إيمانًا منا بأن مستقبل العلاقات بين الدول لم يعد يُقاس فقط بمتانة روابطها السياسية، وإنما بقدرتها على بناء شراكات اقتصادية مستدامة، تحقق النمو، وتولد الفرص، وتخدم مصالح الشعوب.

لقد أكد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، منذ توليه مقاليد الحكم، أن الاقتصاد يمثل أولوية وطنية، وأن تمكين القطاع الخاص، وجذب الاستثمار، وتنويع مصادر الدخل، هي مرتكزات أساسية لبناء مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة، وهي الرؤية التي تجسدت في “رؤية عمان 2040”، باعتبارها مشروعًا وطنيًا لصناعة المستقبل.

تمر المنظومة الاقتصادية العالمية اليوم بتحولات عميقة. فقد أعادت التغيرات الجيوسياسية، والتطورات التكنولوجية، وتحديات سلاسل الإمداد، رسم خريطة الاقتصاد العالمي. ولم يعد النجاح الاقتصادي مرتبطًا فقط بحجم الموارد أو الموقع الجغرافي، بل أصبح مرهونًا بقدرة الدول على بناء شبكات من الشراكات الذكية، وربط الموانئ بالأسواق، والصناعة بالخدمات، والاستثمار بالابتكار.

وفي هذا السياق، أجد أن السؤال الأهم لم يعد: أين تقع الدول على الخريطة؟ بل: أين تتموضع في سلاسل القيمة العالمية؟

ومن هنا تبرز المكانة الاستراتيجية لكل من سلطنة عمان وجمهورية مصر العربية.

فعمان، بما تتمتع به من استقرار، ورؤية اقتصادية واضحة، وموقع جغرافي استثنائي يطل على المحيط الهندي وبحر العرب، وبما تمتلكه من موانئ حديثة في صحار والدقم وصلالة، ومناطق اقتصادية متطورة، أصبحت مركزًا لوجستيًا متناميًا يربط الشرق بالغرب، ويهيئ بيئة جاذبة للصناعة والاستثمار.

أما مصر، فهي بما تمتلكه من ثقل اقتصادي وبشري، وما تمثله قناة السويس من شريان رئيسي للتجارة العالمية، وما شهدته من تطوير واسع للبنية الأساسية والمناطق الاقتصادية، تعد بوابة طبيعية للأسواق الإفريقية والمتوسطية والأوروبية.

ومن هذا المنطلق، فإننا لا ننظر إلى عمان ومصر باعتبارهما اقتصادين متجاورين في المصالح، وإنما شريكين قادرين على بناء جسر اقتصادي عربي يمتد من المحيط الهندي إلى البحر المتوسط، ويصل الخليج العربي بشرق إفريقيا وأوروبا، عبر منظومة متكاملة من الموانئ، والمناطق الاقتصادية، والاستثمارات المشتركة، وسلاسل الإمداد.

إن التكامل بين ميناء صحار والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، على سبيل المثال، ليس فكرة نظرية، بل فرصة عملية لإقامة شراكات صناعية ولوجستية ذات قيمة مضافة، تعزز القدرة التنافسية للبلدين، وتفتح آفاقًا أوسع للوصول إلى الأسواق العالمية.

إن العلاقات العمانية المصرية تستند إلى إرث تاريخي راسخ، وإلى ثقة متبادلة بين القيادتين، وإلى توافق في الرؤى تجاه قضايا التنمية والاستقرار.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تطورًا مهمًا في العلاقات الاقتصادية، بفضل الإرادة السياسية، وتكثيف اللقاءات الرسمية، وتنامي اهتمام القطاع الخاص في البلدين باستكشاف فرص الاستثمار والتعاون.

ومع ذلك، فإن ما تحقق حتى اليوم ينبغي أن يمثل نقطة انطلاق، لا سقفًا للطموح.

فالإمكانات التي يمتلكها البلدان أكبر بكثير من الأرقام الحالية، والفرص المتاحة في قطاعات الصناعة، والخدمات اللوجستية، والأمن الغذائي، والطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والسياحة، والاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا، والرعاية الصحية، والتعليم، تتيح المجال لبناء شراكات نوعية تمتد آثارها لعقود قادمة.

إن المرحلة المقبلة تتطلب أن ننتقل من مفهوم التبادل التجاري إلى مفهوم التكامل الاقتصادي، ومن تصدير السلع إلى بناء الصناعات المشتركة، ومن المنافسة على الأسواق إلى التعاون في الوصول إليها.

إن القطاع الخاص هو المحرك الحقيقي للنمو الاقتصادي، وصانع الفرص، والشريك الأساسي في تنفيذ الرؤى الوطنية. ومن هنا، فإن مسؤوليتنا المشتركة تتمثل في توفير البيئة التشريعية والتنظيمية التي تمنح المستثمر الثقة، وتسهل انتقال رؤوس الأموال، وتشجع الابتكار، وتعزز الشراكات بين مؤسسات الأعمال في البلدين.

ونحن في سلطنة عمان ننظر إلى المستثمر بوصفه شريكًا في التنمية، ونعمل باستمرار على تطوير بيئة الأعمال، وتعزيز الشفافية، ورفع تنافسية الاقتصاد، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عمان 2040.

إن هذا المنتدى لا ينبغي أن يكون مناسبة لتبادل الكلمات فحسب، بل منصة لإطلاق المبادرات، وعقد الشراكات، وفتح قنوات جديدة للتعاون بين مؤسسات القطاع الخاص في البلدين.

فالنجاح الحقيقي لهذا اللقاء لن يقاس بعدد الحضور، ولا بعدد الجلسات، وإنما بما سينتج عنه من استثمارات، ومشروعات، وفرص عمل، وقيمة مضافة لاقتصادي البلدين.

إن ما يجمع سلطنة عمان وجمهورية مصر العربية أكبر من علاقات دبلوماسية متميزة، وأعمق من مصالح اقتصادية متبادلة؛ إنه إيمان مشترك بأن التنمية هي الطريق إلى الاستقرار، وأن التعاون هو السبيل إلى الازدهار، وأن المستقبل يُبنى بالشراكة، لا بالعزلة.

فلنجعل من هذا المنتدى بداية لمرحلة جديدة، ننتقل فيها من الحديث عن الفرص إلى صناعة الفرص، ومن تبادل الرؤى إلى تنفيذ المشروعات، ومن قوة الجغرافيا إلى قوة الاقتصاد.

أسأل الله أن يوفق أعمال هذا المنتدى، وأن يبارك جهود جميع المشاركين، وأن يديم على سلطنة عمان وجمهورية مصر العربية نعمة الأمن والاستقرار والرخاء، وأن يوفقنا جميعًا لما فيه خير شعبينا الشقيقين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى