مقالات

علي بن أبي طالب… إمام المتقين

بقلم/المهندس رسول العذاري

كثيرًا ما نسمع عبارة: «علي بن أبي طالب إمام المتقين»، ونرددها بوصفها جملة مأثورة أو توصيفًا دينيًا عامًا، من دون أن نتوقف طويلًا عند معناها الحقيقي ودلالاتها العميقة. لكن مع مرور الزمن، ومع تراكم القراءة والتجربة والخبرة في التاريخ والفكر والسياسة، تتكشف أمامنا أبعاد هذه العبارة، فنكتشف أنها ليست مديحًا عاطفيًا، بل توصيف دقيق لمسارٍ أخلاقيٍّ فريد، بل ومفتاح لفهم كثير من التحولات التي شهدها التاريخ الإسلامي المبكر.
هذه العبارة، في حقيقتها، تفسّر لماذا غلبت سياسةُ معاوية سياسةَ علي بن أبي طالب في نظر كثير من الباحثين والمؤرخين، لا لأن معاوية كان أحق أو أعدل، بل لأن السياسة التي تقوم على المساومة والمرونة الأخلاقية تجد جمهورًا أوسع من السياسة التي تقوم على الحق الصارم والعدل غير القابل للتنازل. كما تفسّر لماذا ابتعدت غالبية الناس عن علي بعد حين، ولم يبقَ معه إلا قلة من المخلصين حقًا، أمثال: عمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، ومالك الأشتر، وعدي بن حاتم، وغيرهم.
هؤلاء كانوا متقين حقًا، ولذلك كان علي إمامهم. أما غيرهم، فلم يطيقوا عدله، لأن عدل علي لم يكن انتقائيًا، ولا خاضعًا للمصالح، ولا قابلًا للتأويل. كان عدلًا لا يراعي مكانة، ولا يحابي قريبًا، ولا يساوم على حق. ولهذا صدق فيه القول: «لا تأخذه في الحق لومة لائم».
وحين نتأمل في نماذج الذين خالفوه، أو نكثوا بوعودهم له، أو ابتعدوا عنه، نجد أن القاسم المشترك بينهم غالبًا كان غرضًا دنيويًا: سلطة، أو مال، أو نفوذ، أو خوفًا من عدالة لا ترحم الفاسدين. في المقابل، كان علي بن أبي طالب قولًا وفعلًا رجلًا يعمل لله وحده، لا للدنيا، ولا للسلطان. وقد تجسدت فيه قيم العدل والفروسية والإنصاف بكل معانيها، لا كشعارات، بل كممارسة يومية.
هو الرجل الذي كان يزن الدنيا والرئاسة بعَفْطَةِ عنز، ولم يكن ذلك مجرد قول بل موقف عملي جسّده في لحظة مفصلية من تاريخ الإسلام. حين عُرضت عليه الخلافة بعد عمر بن الخطاب، وجاءه عبد الرحمن بن عوف قائلًا: «أمدد يدك أبايعك على كتاب الله، وسنة نبيه، وسيرة الشيخين»، لم يقبل علي بذلك الشرط، بل قال: «أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه، وعلى مبلغ علمي». كلمتان فقط، لكنهما كانتا كفيلتين بحرمانه من الخلافة في تلك اللحظة.
ذلك الرفض لم يكن عنادًا، ولا تمردًا، بل تعبيرًا عن جوهر شخصيته: علي لا يلتزم إلا بما يراه حقًا، ولا يربط نفسه بسيرة بشر، مهما كانت مكانتهم، إذا رأى أن الحق قد يتطلب اجتهادًا مختلفًا. وهذا بالضبط ما يجعل علي بن أبي طالب إمام المتقين، لا إمام الباحثين عن المكاسب، ولا زعيم الجماهير المتقلبة.
إن مأساة علي لم تكن في قلة شجاعته، ولا في ضعف حكمته، بل في سموّ أخلاقه في زمنٍ لم يكن مستعدًا لتحمّل هذا المستوى من العدالة. ولهذا سيبقى علي بن أبي طالب معيارًا أخلاقيًا أكثر منه تجربة سياسية ناجحة، وسيبقى إمامًا لكل من جعل التقوى ميزانًا، لا المصلحة، والحقَّ طريقًا، لا السلطة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى