فزتُ وربِّ الكعبة

بقلم المهندس رسول العذاري
في تلك اللحظة التي انشقَّ فيها الفجر على صمت المسجد، وارتفعت فلة فلةم وهو همسات التسبيح بين جدرانه، هوى السيف على رأس الإمام علي بن أبي طالب. ضربةٌ كانت كافيةً لتفتح جرحًا في الجسد، لكنها فتحت في التاريخ سؤالًا لا يزال يتردد إلى اليوم. وبين الدم المتدفق والدهشة التي شلّت المكان، خرجت من شفتيه عبارة قصيرة، لكنها مدهشة في معناها: “فزتُ وربِّ الكعبة.”
كم ردد الناس هذه العبارة عبر القرون، وكم سمعناها في الخطب والكتب، لكننا نادرًا ما توقفنا طويلًا أمامها. أيُّ فوزٍ هذا الذي يعلنه إنسان في لحظة احتضاره؟ وأيُّ انتصار يمكن أن يُولد من قلب ضربة سيف؟
ربما كان الإمام علي يرى الدنيا على حقيقتها؛ تلك الحقيقة التي طالما وصفها بكلمات قاسية وصادقة في آنٍ واحد. كان يقول إن الدنيا لا تساوي عنده “عفطة عنز”، لا لأنها بلا جمال، بل لأنها سريعة الزوال، كغيمة صيف تعبر السماء ثم تختفي. لقد عاش بين الناس، حكم بينهم، وقاتل من أجل العدالة، لكنه ظل يشعر أن الدنيا أثقل مما ينبغي على قلوب البشر. كانوا يتنازعون على ظلٍّ زائل، بينما العدل الذي جاء به الإسلام يبهت شيئًا فشيئًا في صخب المصالح والأهواء.
لعل تلك الصرخة كانت صرخة إنسان أنهكته الدنيا. ليس لأنها غلبته، بل لأنها خيّبت آماله في كثير من الناس. كان يرى مشروع العدالة الذي حلم به النبي يتعرض للاهتزاز، ويرى القيم التي بُني عليها الدين تتراجع أمام طموحات السياسة والسلطة. وربما شعر، في أعماقه، أن خروجه من هذا العالم هو خلاص من تعبٍ طويل، وأن الرحيل أخفّ من الاستمرار في صراعٍ لا ينتهي.
لكن ربما كان للفوز معنى آخر أيضًا.
فالإمام علي عاش حياته وهو يقاوم إغراءات السلطة والمال. كان بإمكانه أن يعيش ملكًا، لكنه اختار أن يعيش زاهدًا، يلبس الخشن ويأكل البسيط ويقضي ليله في الصلاة والتأمل. لقد انتصر على نفسه قبل أن ينتصر على أعدائه. وعندما جاءت لحظة الموت، لم يرَ فيها خسارة، بل رأى فيها ختمًا نهائيًا على حياة لم تُغره فيها الدنيا.
وربما كان هناك بعدٌ ثالث لتلك العبارة. فقد رويت أخبار كثيرة أن النبي أخبره بأنه سيُقتل شهيدًا، وأن قاتله سيكون من أشقى الناس. إذا كان عليٌّ يحمل هذا العلم في قلبه، فإن لحظة الضربة لم تكن مفاجأة كاملة، بل كانت الموعد الذي انتظره طويلًا. كأن الحياة كانت طريقًا يقوده نحو تلك اللحظة، وكأن الضربة لم تكن نهاية بقدر ما كانت وصولًا.
لذلك قال: فزتُ.
لم يكن الفوز بالمعنى الذي يفهمه الناس عادة. لم يكن فوز سلطةٍ ولا فوز جيشٍ ولا فوز قضية سياسية. كان فوز إنسانٍ خرج من الدنيا كما دخلها: حرًّا من قيودها. إنسانٍ لم يبع مبادئه، ولم يغرق في إغراءاتها، ولم يسمح لها أن تغيّر قلبه.
ربما كان الفوز ببساطة هو أن يموت الإنسان صادقًا مع نفسه.
وحين نتأمل العبارة من جديد، نشعر أنها ليست مجرد كلمات قيلت في لحظة ألم، بل خلاصة حياة كاملة. حياة رجلٍ سار طويلًا بين الناس، حاملاً حلم العدالة، ثم حين جاءه الموت ابتسم له، كمن يلتقي بصديق قديم.
ولهذا قالها بثقةٍ هادئة:فزتُ وربِّ الكعبة.



